الخذلان جريمة … والحياد خيانة

يكتبها اليوم / عبد الفتاح البنوس

 

إننا في زمن العجائب والغرائب، زمن يصدّق فيه الكذوب، ويكذّب الصادق، يُؤتَمن الخائن، ويُخوَّن الأمين، زمن تحوّل فيه الجلاد من قبل أبواق الشقاق والنفاق إلى ضحية، والضحية إلى جلّاد، زمن تُعاتَب فيه إيران الدولة المعتدى عليها ظلمًا وعدوانًا من قبل كيان العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية، على قيامها بواجب الدفاع عن نفسها، والرد على العدوان السافر الذي تتعرض له على مرأى ومسمع العالم أجمع، ويُجَرَّم عليها ذلك، ويُشرعَن للإسرائيلي والأمريكي ويُبرَّر لهما عدوانهما السافر بكل جرأةٍ ووقاحة وقلة حياء، ولا غرابة فهذا نتاج التعبئة الخاطئة والثقافات المغلوطة التي ابتليت بها الأمة العربية والإسلامية، ومن المؤسف بعد كل ما حصل ويحصل في غزة ولبنان وإيران والعراق واليمن بمَنْ لا يزالون يلزمون الحياد حد زعمهم من علماء ومشايخ دين، وساسة وحقوقيين وناشطين وإعلاميين، ولا أعلم عن أي حياد يتحدثون؟! ولا عمّا هي مبرراته؟!

الحياد المزعوم اليوم في ظل المعطيات الراهنة يعد من الثقافات المغلوطة التي تسلّلت إلى أوساط مجتمعاتنا، وتحولت عند البعض إلى مرتكزات للشريعة، وضرورات من ضرورات الدين، فأي حياد في تغييب واجب النصرة والدعم والإسناد لإخواننا المسلمين الذين يطالهم ظلم وإجرام وتوحش قوى الطاغوت؟! هناك من يصف القيام بواجب النصرة والمَدَد لفلسطين ولبنان والعراق واليمن وإيران بالمغامرة تارةً، وتارةً بالانسياق خلف الفتنة، وغيرها من المبررات التي يتم تكييفها وصبغها بالطابع الديني في محاولة بائسة لهؤلاء للتغطية على مناصرتهم للباطل، وخذلانهم للحق، وعزوفهم عن أداء واجب نصرة المظلومين ورفع الظلم عنهم، رغم أن التوجيه والأمر الإلهي في هذا الجانب كان واضحًا وجليًّا في قوله تعالى (وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ).

وأمام ما ارتكبه ــ وما يزال ــ الصهاينة والأمريكان منذ أكثر من عامين من جرائم إبادة جماعية ومذابح بشرية بحق أهالي قطاع غزة، وما يمارسه من سياسة حصار وتجويع أدّت إلى وفاة المئات منهم جرّاء الجوع، الضاربة بوقف إطلاق النار عرض الحائط، وفي ظل استمرار التدمير الكلّي الممنهج للبنية التحتية للقطاع، واستمرار سياسة الدعم والإسناد الأمريكية لهذا الكيان والمشاركة المباشرة معه في عدوانه وحصاره، والصمت والخذلان والتآمر العربي والإسلامي الذي يصاحب ذلك، بِتُّ أستغرب من مبررات المتخاذلين وأدعياء الحياد فيما يتعلق بنصرة غزة!!

والأمر ذاته ينطبق اليوم على ما يعتمل في إيران وجنوب لبنان من عدوان أمريكي إسرائيلي سافر وجبان، وما يرافق ذلك من اعتداءات متكررة تطال العراق بين الفينة والأخرى، كل ذلك يجعل من السخف الحديث عن حياد ومحايدين، وخصوصًا أنه لا سقف لطموحات وتطلعات ومؤامرات ومخططات ومشاريع الأمريكي والإسرائيلي، والتي بالتأكيد لن تقتصر على دول محور المقاومة، وما دام الأمر كذلك فلا مجال للمغالطات والمراوغات والتدليس والتلبيس، نصرة إيران ولبنان وفلسطين واجب ديني مقدس، وليس فتنةً كما يصوّر حاخامات الوهابية وعلماء الدواوين الملكية والبلاطات الأميرية والقصور الرئاسية، الفتنة أن تقف متفرجًا على أطفال ونساء المسلمين وهم يقتلون على يد اليهود البغاة، الفتنة أن تصفّق لاستهداف أمريكا وإسرائيل لرموز وقادة الأمة العظماء.

الفتنة هي تلكم الفتاوى الجائرة والأحكام المسيَّسَة والأطروحات الفجَّة التي لا تمت للإسلام بأدنى صلة، الفتنة أن تظل تسبّح بحمد أمريكا وترامب وتقدسهما، الفتنة أن تلزم الصمت على التطبيع مع الكيان الصهيوني وترى في ذلك مسألةً طبيعيّة دون أن تحرّك فيك جرائم هذا الكيان أي ساكن، الفتنة هي الثقافات المغلوطة التي جعلت من الجهاد إرهابًا، ومن الاستسلام سلامًا، ومن الخذلان مسألة طبيعية، ومن الخيانة حذاقة، ومن المقاومة وسلاحها مصدر قلق وتوتّر من الواجب الخلاص منهما.

يا علماء الأمة: ما تزال الفرصة مواتيةً لكم لتصحيح المسار، وإعلان التوبة والرجوع إلى الله، اصدحوا بالحق، وتكلموا بالصدق، غادروا مربع النفاق والمجاملة والتطبيل، المسألة خطيرة والعواقب وخيمة جدًّا، فنّدوا الثقافات المغلوطة التي روّجتم لها وروّضتم السواد الأعظم من الأمة بها، تداركوا ما يمكنكم تداركه، لا تجعلوا من أهالي إيران ولبنان وغزة ومن طالهم الضرر من فتاويكم ومواقفكم وثقافتكم الانبطاحية التي دجّنتموهم بها من أبناء الأمة العربية والإسلامية خصومًا لكم يوم القيامة.

خلاصة الخلاصة: قدّموا للأمة الإسلام المحمدي بصورته الناصعة البهيّة، ضعوا النقاط على الحروف، وسمّوا الأشياء بمسمياتها، اليهود وليس غير اليهود ومن دار في فلكهم هم أعداء الله ورسوله والمؤمنين، وليس إيران ولا حزب الله ولا أنصار الله ولا الحشد العراقي ولا حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، اليهود لا دين ولا عهد لهم، ولا تقارب ولا تحالف معهم ما داموا ينتهكون الحرمات، ويرتكبون المحرّمات، ويدنّسون المقدسات، ضعوا الأمة أمام الواقع المأساوي في المنطقة والمخطط الكبير الذي يستهدفها، اكتبوا لأنفسكم نهايةً حسنة وخاتمةً مرضيَّة، ووالله ما في الدنيا ما يغريكم للانغماس في نار جهنم، رفقةَ ترامب ونتنياهو وبن سلمان وبن زايد ومن دار في فلكهم من الجبابرة البغاة المجرمين والطغاة القتلة المستبدّين.

والعاقبة للمتقين.

قد يعجبك ايضا