من التولي إلى الاستبدال.. كيف تصنع الأمم مصيرها؟

شاهر أحمد عمير

 

 

تحكم سنن الله حركة الأمم كما تحكم القوانين حركة الكون؛ لا تحابي أحدًا، ولا تتبدل لأجل قوم أو عِرق أو تاريخ. وحين يتأمل المتدبر مسار الحضارات، يدرك أن الصعود والهبوط لم يكونا يومًا نتاج الصدفة، بل نتيجة مباشرة للموقف، والالتزام، وحمل المسؤولية. فالاستخلاف في الأرض ليس منحة دائمة، بل تكليف مشروط بالإيمان والعمل والقيام بالواجب.
قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَّلَوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾، وهذه الآية لا تُقرأ بوصفها تهديدًا مجردًا، بل قانونًا تاريخيًا حاكمًا، يؤكد أن الأمة التي تتولى عن واجبها، وتُعرض عن تكليفها، وتستبدل الولاء لله بالولاء للأعداء، تفقد موقعها في معادلة الفعل، ويُسحب منها الدور، ليُمنح لغيرها ممن هو أصدق موقفًا وأثبت مبدأً، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
فالتغيير يبدأ من الداخل قبل أن ينعكس على الواقع السياسي والعسكري. وحين تختل البوصلة القيمية، ويتحول الدين إلى طقوس بلا موقف، تصبح الأمة مهيأة نفسيًا وسياسيًا لسنّة الاستبدال.
ويأتي واقع الأمة العربية اليوم شاهدًا حيًا على هذه السنّة؛ إذ تراجعت أنظمة عربية كثيرة، وبلغ بها الانحدار حدّ الارتهان للمشروع الأمريكي الصهيوني، والتفريط بقضايا الأمة المركزية، وفي مقدمتها فلسطين. أمة وُلد فيها النبي، ونزل فيها الوحي، لكنها حين تولّت عن مسؤوليتها التاريخية، سُحبت منها الريادة، وأُبعدت عن موقع الشهادة على الناس.
قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، ثم قيّد الخيرية بالفعل: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾.
فحين غاب هذا الدور، وساد الصمت على الظلم، وسُوّغت الخيانة تحت مسميات الواقعية السياسية، سقط شرط الخيرية، وسقط معه حق القيادة.
في المقابل، برزت قوى وشعوب غير عربية تقدّمت إلى ساحة الموقف، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي أثبتت من خلال دعمها الواضح للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، ومساندتها للشعوب المستضعفة، أن معيار الاستخلاف هو الموقف لا الانتماء، والثبات لا الادعاء. فمنذ انتصار ثورتها، وضعت نفسها في موقع المواجهة مع المشروع الأمريكي الصهيوني، وتحملت كلفة هذا الخيار من حصار وعقوبات وضغوط عسكرية واقتصادية. وهذا الثبات لا يُقرأ بوصفه اصطفافًا قوميًا أو مذهبيًا، بل موقفًا دينيًا إسلاميًا وأخلاقيًا، نابعًا من فهمٍ بأن الشرعية تُكتسب من الالتزام بالقضية الإسلامية، وأن حمل راية الجهاد في مواجهة قوى الاستكبار هو ما يمنح الدور والمكانة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وهنا تتجلى سنّة الاستبدال بوضوح: انتقال الدور إلى من تحمّل الكلفة، وصبر، وثبت، بعدما تخلّى عنه من كان أولى به تاريخيًا.
غير أن القراءة التحليلية العميقة تكشف أن الاستخلاف لا يُحسم بالسلاح وحده، بل بصناعة الإنسان الواعي. ومن هنا تبرز أهمية البعد التربوي والفكري في معركة الأمة. وفي هذا السياق، يركّز السيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي- حفظه الله- في رؤيته وخطاباته، على التسلح بالإيمان، وبناء الوعي، وتحصين الأجيال من التضليل، وحثّها على الالتحاق بالمراكز الصيفية، باعتبارها مشروعًا استراتيجيًا لصناعة الإنسان، لا نشاطًا موسميًا عابرًا.
فالمعركة في جوهرها معركة وعي قبل أن تكون معركة ميدان، وقد دلّ القرآن على هذا المنهج بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، فالتزكية والتعليم يسبقان النصر، ويصنعان الإنسان القادر على الثبات وحمل الأمانة.
وقد يظن البعض أن استثمار الإجازة الصيفية في مكاسب دنيوية آنية أولى، غير أن منطق السنن الإلهية يؤكد أن بناء الإنسان عقائديًا وأخلاقيًا وفكريًا هو الاستثمار الحقيقي. فالأمم لا تُستبدل فجأة، بل تُستبدل حين تُفرَّغ أجيالها من الوعي، وتُترك عقول أبنائها نهبًا للغزو الثقافي والتزييف الإعلامي.
وفي الخلاصة، تثبت الوقائع أن سنّة الله ماضية لا تحابي أحدًا: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، من يتقدم بالإيمان والوعي والمسؤولية، يتقدم به الله، ومن يتراجع ويتولى ويُوالي الأعداء، يُزَح عن موقعه مهما كان تاريخه. وبين التولي والاستبدال، تبقى معركة الوعي هي الفيصل، لأنها التي تحدد من يستحق أن يكون فاعلًا في التاريخ، ومن يُترك خارجه.

قد يعجبك ايضا