في الذكرى السنوية الحادية عشرة للعدوان على اليمن، التي توافق السادس والعشرين من مارس، يقف اليمنيون أمام مشهدين متناقضين يلخصان مسارين مختلفين في واقع البلاد؛ مسار صنعاء والمحافظات الحرة التي واجهت حربًا عدوانية ، وتمكنت – رغم الحصار والقصف – من ترسيخ معادلة الصمود، ومسار المحافظات الجنوبية والشرقية التي دخلت تحت سيطرة الاحتلال ، ولا تزال تعيش تداعيات اقتصادية وخدمية وأمنية معقدة.
يمثل هذا التناقض عنوانًا رئيسيًا لمرحلة امتدت لأكثر من عقد، شهدت خلالها البلاد تحولات عميقة، انعكست على مختلف جوانب الحياة، وفرضت واقعًا جديدًا تتناقض فيه المؤشرات بين منطقة وأخرى بحسب الشواهد والدلائل والإحصائيات .
الثورة / مصطفى المنتصر
منذ الساعات الأولى لشن العدوان الأمريكي الصهيوني السعودي على اليمن في 2015م، تعرضت صنعاء ومحيطها لسلسلة مكثفة من الغارات الجوية التي طالت المطارات والموانئ والطرق والجسور، وصولًا إلى الأحياء السكنية والمنشآت الخدمية في مشهد يعكس فداحة الإجرام وبشاعة الآلة الدموية التي تأثر منها قرابة 25 مليون مواطن ولازال يعاني من تبعاتها الاقتصادية والإنسانية والصحية بعد مرور 11 عاماً.
وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن الحرب في اليمن خلفت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية عالميًا، حيث تسبب العدوان بنزوح ما يزيد عن 4 ملايين شخص داخليًا.
وتدمير 670 منشأة صحية و2900 منشأة تعليمية وغيرها من الأرقام المهولة التي تشهد على حقيقة هذا العدوان الذي حاول ان يبرر إجرامه ووحشيته، الا ان الأرقام والجرائم التي ارتكبت بحق اليمنيين كانت فاضحة وفادحة وغير مسبوقة.
ورغم هذه التحديات، تمكنت صنعاء من الحفاظ على قدر من الاستقرار المؤسسي، حيث استمرت الجهات الحكومية في تقديم الخدمات الأساسية ضمن الإمكانيات المتاحة، في ظل حصار خانق وموارد محدودة.
كما برزت خلال هذه المرحلة نماذج لافتة من التماسك المجتمعي، تمثلت في مبادرات التكافل الاجتماعي ودعم الجبهات بالمال والرجال وأيضا التصنيع العسكري الذي جعلها من الدول المكتفية بالإنتاج المحلي من الرصاصة إلى الصاروخ بالإضافة إلى التوسع في الإنتاج المحلي لمواجهة تداعيات الحصار.
ويرى مراقبون أن هذه العوامل أسهمت في ترسيخ” ثقافة الصمود”، التي تحولت إلى سلوك عام في مختلف مستويات المجتمع وساهمت في تعزيز التلاحم الشعبي والمجتمعي في مواجهة العدوان حتى تكلل ذلك الصمود بدحر العدو وتلقينه درساً لن ينساه.
عدن والمحافظات الجنوبية.. أزمات مركبة رغم وفرة الموارد
في الجهة المقابلة، تعيش المحافظات الجنوبية والشرقية، وعلى رأسها عدن، واقعًا مختلفًا، حيث تتعدد مظاهر الأزمات والمنعطفات التي عاشتها ولاتزال تعيشها جراء سيطرة الاحتلال وأدواته على المدينة والذي تسبب في انعدام سبل الحياة وتراجع ملحوظ في الخدمات الأساسية.
وبحسب المؤشرات فإن المحتل الذي تغنى وروج بتحويل عدن والمحافظات المحتلة إلى دبي وسنغافورة جديدة لم يحافظ على البنية التحتية لتلك المحافظات وعاشت عدن والمحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة واقعا لم تعهده اطلاقا من حيث تدني مستوى الخدمات والمعيشة وغياب الأمن والاستقرار وانتشار الجريمة في ظل تنامي سطوة المليشيات في تلك المناطق المحتلة .
وتبرز تلك المفارقة من خلال انقطاع الكهرباء في عدن والمحافظات الجنوبية المحتلة التي وصلت في بعض الفترات إلى أكثر من 12 ساعة يوميًا وارتفاع أسعار السلع الأساسية بأكثر من 300% مقارنة بما قبل الحرب.
كما شهدت العملة المحلية تراجعًا حادًا، ما انعكس على القدرة الشرائية للمواطنين وتسبب في انهيار مصرفي ومالي وشلل غير مسبوق في الحركة المالية والمصرفية ناهيك عن تفاقم الوضع الأمني الكارثي الذي حول المدينة إلى مملكة الغاب وانتشرت ظاهرة النهب والسلب في وضح النهار .
ورغم امتلاك هذه المحافظات موارد استراتيجية، تشمل الموانئ والثروات النفطية ناهيك عن الجبايات والاتاوات التي تفرض على التجار والمواطنين بصورة مريبة ، إلا أن ذلك لا يعود بالنفع على المواطن والخدمات الضرورية ، بل يسهم في تعزيز الأرصدة المالية وحسابات قيادات المرتزقة والنافذين في تلك المناطق ويتم تحويلها بالعملة الصعبة إلى بنوك خارجية في مشهد يكشف غياب الإدارة الفاعلة وتفشي الفساد .
مقارنة تكشف الفارق
تظهر المقارنة بين الواقعين جملة من الفوارق اللافتة، ففي صنعاء تشهد المناطق التي تقع في إطار سيطرة حكومة صنعاء والمجلس السياسي استقراراً نسبيا في الوضع الأمني، وثباتا نسبيا في أسعار الصرف، واستمرارا في تقديم الخدمات بالإضافة مرحلة الاكتفاء الذاتي الذي وصلت اليه في مختلف الأصناف الأساسية منها الغذاء والسلاح وهذه نقطة يجب التوقف أمامها كيف لبلد محاصر ويتعرض لعدوان غاشم من أكثر من 18 بلدا ان يخرج من هذه المعركة يشهد طفرة في التسليح ويكتفي ذاتياً في بعض الأصناف الغذائية.
بالمقابل تشهد عدن والمحافظات الجنوبية والشرقية غياباً تاماً للخدمات، وتدهورا اقتصاديا وماليا متسارعا، وانعدام الأمن والاستقرار الذي أدى إلى وارتفاع معدل الجريمة إلى مستويات مرعبة في ظل انتشار وتعدد المليشيات المسلحة .
كما أن حالة التماسك والتكافل الاجتماعي برزت بشكل ملفت وكبير في المحافظات الحرة وتسبب في تعزيز حالة الصمود وانهزام العدو، يقابلها جملة من التحديات الاجتماعية والانقسامات في المحافظات الجنوبية، التي تسببت في تعقيد المشهد وانفجار الوضع حتى خرج عن السيطرة.
وبعد أكثر من عقد على بدء العدوان، والاحتلال برزت العديد من الدلائل والمعطيات التي تلعب دورًا محوريًا في تحقيق أي انتصار أو نجاح ومنها الإرادة الشعبية التي لاشك انها عامل رئيسي في مواجهة الأزمات والتحديات والتقليل من حدة المخاطر، كما أن الاستقرار لا يرتبط فقط بالإمكانات، بل بفعالية الإدارة.
بالإضافة إلى أن غياب القرار الوطني المستقل ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين.
خاتمة
بين ذكرى الصمود في صنعاء وذكرى دخول قوات الاحتلال إلى المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة، تتجسد ملامح واقعين مختلفين؛ أحدهما يقدّم نفسه كنموذج للصبر والثبات رغم شح الإمكانيات، والآخر يواجه تحديات متصاعدة رغم توفر الموارد.
وبين هذين المسارين، تبقى الذكرى الحادية عشرة محطة لتقييم التجربة، واستحضار الدروس، والتأكيد على أن مستقبل اليمن يظل مرهونًا بقدرة أبنائه على تجاوز الانقسام، وبناء دولة تستوعب الجميع وتحقق تطلعاتهم في الأمن والاستقرار.
