تمثل التوجيهات الأخيرة للسيد القائد خارطة طريق استراتيجية لإعادة صياغة الدور الوظيفي للإعلام الوطني في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ أمتنا. إن الدعوة للتحول نحو إعلامٍ تنمويٍ واعٍ ليست مجرد نصيحة مهنية، بل هي إعلان لضرورة تفكيك أدوات الهيمنة الثقافية والاقتصادية التي كرسها إعلام التضليل والثرثرة لعقود طويلة. لقد أدرك السيد القائد أن المعركة اليوم تتجاوز المواجهة العسكرية لتشمل الجبهة الاقتصادية، التي تعد شريان حياة للأعداء ومصدر ضعفٍ في بنية مجتمعاتنا.
إن المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات الإعلامية والناشطين تقتضي الانتقال العاجل من دائرة الاستهلاك السلبي إلى فضاء الإنتاج العملي. إن المقاطعة الاقتصادية ليست مجرد فعل احتجاجي عابر، بل يجب أن تتحول إلى ثقافة مؤسسة على الأرقام والحقائق التي تكشف حجم استفادة العدو من أسواقنا، وكيف يغذي هذا الاستهلاك آلة القتل التي تستهدف شعوبنا. الإعلام هنا مدعوٌ لتحويل لغة الشعارات إلى لغة اقتصادية تقنع العقل بضرورة التحرر من التبعية للمنتجات الأمريكية والإسرائيلية، وتدفع المجتمع نحو البحث عن البدائل المحلية.
إن نقد المساحات المخصصة للبرامج الهامشية التي تفتقر إلى الفائدة، يعكس رؤيةً ثاقبة لخطورة تبديد الوعي العام في قضايا لا تعالج بؤس الواقع أو تساهم في نهضته. المطلوب اليوم هو تحويل المنابر الإعلامية إلى مختبرات للحلول العملية، حيث يتصدر المشهد الاقتصادي والتنموي والزراعي قائمة الأولويات. إن إبراز الفرص المتاحة، وتشجيع المبادرات الفردية والاستثمار في الإنتاج المحلي، يمثل جوهر السيادة والاستقلال الحقيقي.
إن الإعلام الذي ينشده السيد هو الإعلام القادر على ربط الوعي بالعمل. فالمواطن الذي يتابع برنامجاً يشرح له كيفية زراعة أرضه أو الاستثمار في صناعة بديلة، هو مواطن يغادر مربع التلقي إلى مربع الفعل والمقاومة الاقتصادية. إنَّ المرحلة تفرض على الكوادر الإعلامية التخلي عن أساليب الإثارة العقيمة والتركيز على تقديم الحلول التي تعزز صمود الجبهة الداخلية، وتضعنا على المسار الصحيح نحو الاستقلال الاقتصادي. إننا أمام فرصة تاريخية لتحويل إعلامنا إلى ركيزة أساسية في بناء الدولة، وإلى قوة ضاربة تكسر شوكة الأعداء من خلال تعزيز قدرات الأمة الذاتية، وتحويل الحقائق إلى طاقة تحررية تضمن لنا العزة والسيادة في واقعنا المعاصر.
