أثبتت الأنظمة الخليجية على مدى عقود، أنها لا تحترم من يحترمها، فهي في الأغلب تنتهج سياسات عدائية تجاه جيرانها، فالعدوان على إيران، يمثل فقط الحلقة الأخيرة من مسلسل الغدر بدول الجوار، رغم أن الجمهورية الإسلامية انتهجت سياسات مختلفة جذرياً عن سياسات الشاه العدائية، وكان الأحرى بدول الخليج أن تتعامل بالمثل مع النظام الجديد في طهران.
وفي اليمن، لطالما اعتبرت السعودية اليمن حديقتها الخلفية ومارست دوراً تسلطيا على حكوماته ومنعته حتى من الاستثمار الأمثل لثرواته الوطنية، وبلغ الأمر حد اغتيال رئيس اليمن الأسبق الشهيد إبراهيم الحمدي عندما أراد أن يحرر اليمن من الهيمنة السعودية، وكذلك الحال بمن خلفوه من الزعماء، فقد أخضعتهم لسياساتها حتى إذا قررت طردهم من السلطة فعلت دون أي اعتبار للسيادة اليمنية.
كما يمثل الملف العراقي شاهداً صارخاً على سياسة «الغدر» بالجار؛ فبعد عقود من دفع العراق ليكون «البوابة الشرقية» في مواجهة إيران وتحمل كلفة حروب مدمرة نيابة عن «إسرائيل»، تخلت هذه الأنظمة عنه في أحلك ظروفها ساهمت السياسات الخليجية بعد عام 2003م في إذكاء الصراعات الطائفية عبر تمويل منصات إعلامية وجماعات مسلحة، بهدف منع قيام دولة عراقية قوية وموحدة. وكان الهدف الواضح هو إبقاء العراق ضعيفاً ومرتهناً للصراعات، لضمان عدم استعادته لدوره القيادي الذي قد يهمش الدور الخليجي الناشئ.
أما الفصل الأكثر دموية في السياسة الخليجية، فقد كان تجاه سوريا، وتمثل في الرعاية المباشرة والتوجيه الممنهج للجماعات التكفيرية والمتطرفة، والتي استُخدمت «كخناجر» لتمزيق النسيج الاجتماعي السوري، وقد تجاوز الأمر التعاطف السياسي مع الإرهابيين وتحول إلى غطاء مالي ولوجستي ضخم تدفق عبره السلاح والمال والمسلحون من شتى بقاع الأرض تحت رايات «الجهاد» الزائفة.
لقد تعمدت هذه الأنظمة تغذية الفكر الوهابي والتكفيري داخل الفصائل المسلحة، محولةً الصراع من مطالب سياسية إلى حرب هوية وإبادة طائفية، بهدف وحيد هو ضمان عدم قيام دولة سورية موحدة وقوية يمكنها مواجهة المشاريع التوسعية للكيان الصهيوني.
إن شواهد «المال القطري والسعودي» الذي صُب في خزائن جماعات مصنفة على قوائم الإرهاب الدولية، مثل «جبهة النصرة» وأحرار الشام وغيرها، تكشف عن استراتيجية واضحة لإغراق الجار السوري في فوضى تكفيرية لا تبقي ولا تذر.
ولم تسلم حتى الأنظمة العربية البعيدة جغرافياً من هذا النفوذ «المال-سياسي»؛ ففي أعقاب الحراك الشعبي العربي عام 2011م، تحول المال الخليجي إلى سلاح «ثورة مضادة» بامتياز. فمن مصر إلى ليبيا وصولاً إلى تونس، جرى ضخ المليارات لتوجيه المسارات السياسية بما يضمن وأد أي حراك ديمقراطي حقيقي. لقد أثبتت هذه الأنظمة أنها لا تحتمل رؤية جار مستقر يمتلك قراره بيده، فكان التدخل في ليبيا عبر دعم المليارات والسلاح، والتدخل في مصر عبر دعم الانقسامات، شواهد إضافية على أن «الأمن الخليجي» بات مرادفاً لـ «عدم استقرار الجوار».
إن هذه السياسات العدائية لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتيجة طبيعية لأنظمة تخشى من عدوى التغيير ومن قوة الجغرافيا. فبينما كان الأحرى بهذه الدول استثمار فوائضها المالية لبناء تكامل اقتصادي يحمي المنطقة، اختارت نهج «الغدر السياسي» وتفكيك الدول المجاورة، مما جعل من محيطها ساحات مفتوحة للتدخلات الدولية، وأثبت للعالم أن احترام السيادة لدى هذه الأنظمة ينتهي عند حدود مصالحها الضيقة، وأن «الجوار» بالنسبة لها ليس إلا جداراً تريد إبقاءه متصدعاً لتهيمن هي على المشهد.
