قبسٌ من شُعاع البدر

محمد أحمد قاسم الشامي

 

في حضرة الكلمة التي تتجاوز حدود الصوت لتستحيل موقفاً، وفي فضاء الخطاب الذي يرسم ملامح الوعي الجمعي، تأتي إطلالة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في يوم الصمود لتشكل لحظة فارقة في الوعي السياسي والروحي المعاصر. إن القراءة التحليلية لهذا الخطاب لا يمكن أن تقف عند عتبات المفردات السياسية المعتادة، بل هي غوص في بنية فلسفية عميقة تزاوج بين «الميتافيزيقيا» والواقع، وبين إرث الهوية وتطلعات الاستقلال.
يتجلى الصمود في هذا الخطاب ليس كفعل دفاعي مجرد، بل كفلسفة وجودية ترفض العدمية والتبعية. إننا أمام لغة بليغة تعيد صياغة مفهوم «الانتصار» من منظور قيمي، حيث لا يقاس الفوز بموازين القوى المادية فحسب، بل بمدى اتساق الأمة مع جوهرها الأخلاقي. الخطاب هنا يعمل كجسر يربط بين التاريخ في تجلياته الأكثر إشراقاً وبين اللحظة الراهنة بكل تعقيداتها، محولاً الزمن من مجرد عبور للأيام إلى ساحة لصناعة التحولات الكبرى.
من الناحية الجمالية، تمتاز الكلمات بنسق انسيابي يبتعد عن التكلف، لكنه يحمل في طياته شحنات عاطفية وفكرية قادرة على تحريك الساكن في الوجدان. ثمة إيقاع هادئ ورصين يعكس ثقة وجودية، وكأن المتحدث لا يخاطب الجماهير فقط، بل يخاطب التاريخ كشاهد والضمير كقاضٍ. تتداخل في هذا الخطاب المفاهيم القرآنية مع الواقع الجيوسياسي، لتخلق رؤية شمولية ترى في التحديات فرصاً لصقل الهوية، وفي المعاناة مخاضاً لولادة فجر جديد.
إن فلسفة «الصمود» التي يطرحها الخطاب تقوم على فكرة «المركزية الإيمانية»؛ حيث يصبح الإنسان هو المحرك الأساسي للتغيير حين يتحرر من أغلال الخوف والارتهان.
هذا القبس من شعاع البدر يضيء زوايا العزة في النفس البشرية، ويؤكد أن الكرامة ليست ترفاً سياسياً بل هي ضرورة حيوية للبقاء. الخطاب إذن هو دعوة للتأمل في مكامن القوة الذاتية، وهو صرخة بليغة في وجه الانكسار، تعيد ترتيب الأولويات لتجعل من السيادة المطلقة غاية لا تقبل المساومة.
تأتي هذه القراءة لتؤكد أن الخطاب بمضامينه وأبعاده يمثل وثيقة فكرية متكاملة، تتجاوز اللحظة الآنية لتمتد نحو المستقبل، حاملاً معه يقين الصادقين وإرادة المستضعفين الذين قرروا أن يكتبوا تاريخهم بمداد من نور لا ينطفئ.

يا قَبسَ نورٍ من سَناءِ البَدْرِ
صُغْتَ الصُّمودَ عقيدةً للنَّصْرِ
أَسرجتَ في ليلِ الشعوبِ مشاعلاً
فاستيقظَ التاريخُ بَعدَ دُهورِ
«إيمانُنا» مَدَدٌ وسرُّ ثباتِنا
والوعيُ حصنٌ في مَهبِّ الذُّعْرِ
قُلتَ «الكرامةَ» لا تُباعُ وتُشترى
هيَ جوهرُ الإنسانِ مَحْضُ الطُّهرِ
مِن رَحِمِ أوجاعِ «الصمودِ» وُلِدْنا
شَعْباً يَرى العَلياءَ عينَ الفَخْرِ
«هويّةٌ» جُبِلَت بصِدقِ عَزيمةٍ
تأبى الرُّكوعَ لغيرِ ربِّ الفَجْرِ
حَمَّلْتَنا «المسؤوليةَ» مَوقفاً
يَمحو غُبارَ الذُّلِّ طُولَ الدَّهرِ
بَلغتْ مَعانيكَ الرَّصينةُ مَنهجاً
يَسقي العقولَ كواكبَاً مِن فِكْرِ
فلسفةُ الحقِّ التي أرسيتَها
حَطمتَ فيها كبرياءَ المَكْرِ
يا مَن رَسَمْتَ مِن الضياءِ حقيقةً
أنَّ الشعوبَ قَديرةٌ بالأَمْرِ

قد يعجبك ايضا