” العروبة” حين تصبح “قميص عثمان”

طه العامري..

 

فلسطين تعاني من عقود طويلة، والعراق يدمر منذ أكثر من عقدين، ولبنان يدمر من قبل الاحتلال الصهيوني منذ نصف قرن، ومن عام 2011م وسوريا واليمن وليبيا والسودان والصومال يواجهون الدمار والخراب اليومي، وكادت مصر ان تنزلق في دائرة الفوضى لو لم يتداركها جيشها ووعي شعبها وتوحدهم، ثم جاءت معركة طوفان الأقصى فكان الرد عليها حرب إبادة في فلسطين ودمار في لبنان واليمن، وخروج سوريا من دائرة الفعل ومن كانوا “إرهابيين” ومطلوبين دوليا أصبحوا بقدرة قادر حكاما في دمشق بدعم أمريكا والصهاينة وبأموال الخليج.. في كل هذا المسار التراجيدي الدامي، لم نسمع أشقاءنا في “الخليج” يتحدثون عن العرب والعروبة والأمن القومي العربي والتكامل العربي، بل شاهدنا حماسهم في تدمير ” الجمهوريات العربية” و” شيطنة المقاومة” والتآمر على كل فعل عربي أو إسلامي مقاوم رافض للاحتلال الصهيوني الوجود الأمريكي والهيمنة الأمريكية الغربية على المنطقة..!
شاهدنا تآمر أشقائنا في الخليج، في اليمن وفلسطين وليبيا والسودان والصومال، شاهدنا حماسهم وإنفاقهم السخي على الفتن وإثارة النعرات بين أبناء القطر الواحد والمجتمع الواحد، لم تشفع للعرب عروبتهم عند الأشقاء ولم تشفع للعرب لا اللغة ولا الجغرافية ولا التاريخ ولا وحدة الهوية والمصير، كل هذه الحقائق المشتركة لم تشفع للعرب عند أشقائهم في الخليج..!
وما أن حدث العدوان الصهيو أمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي كانت قد أطلقت تحذيراتها منذ سنوات وانذرت الجميع أن أي هجوم عليها قد تقوم به أمريكا فأن القواعد الأمريكية في الوطن العربي وفي أي منطقة تطالها قدرات إيران ستكون هدفا وعنواناً للرد الإيراني على أي هجوم، بشفافية تحدثت إيران وأبلغت الجميع وقالت للجميع أن ما يفصلنا عن أمريكا آلاف الكيلومترات إن هاجمتنا لكن لأمريكا قواعد ومصالح قريبة منا وفي متناول قدراتنا وأي هجوم علينا سيكون ردنا على هذه القواعد والمصالح الأمريكية ومن ضمنها حاملات طائراتها في فلسطين التي تسمى “إسرائيل” والتي هي مجرد حاملة طائرات أمريكية غربية ذات وظيفة استعمارية.
إن فلسطين لم تكن يوما وطنا لغير أهلها وأصحابها الشعب العربي الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه ويهودييه وبكل أطيافه الاجتماعية.. لم تكن يوما فلسطين وطنا لغير أبنائها ولم تكن يوما إقطاعية خاصة لبريطانيا كي تمنحها هدية لمن ترغب ولا من استوطنها عنوة أصبح تحت المظلة الأمريكية لا يجوز المساس به..؟!
اليوم وحين يتحدث الأخوة في الخليج عن العرب والعروبة ويتساءلون عن مواقفهم.. يحق لنا بدورنا أن نتساءل أشقاءنا في الخليج: ماذا قدمتم انتم للعرب والعروبة والإسلام والمسلمين..؟!
نعرف أنكم لا تملكون الإجابة عن تساؤلاتنا، مثلما نحن نستغرب عن تساؤلاتكم وجراءتكم في طرحها هكذا دون خجل ودون التأني ومساءلة أنفسكم أولا هل يحق لكم طرح تلك التساؤلات أم لا..؟!
وهنا يحق لنا التساؤل، ونسأل أشقاءنا في الخليج: كم أنفقتم على دعم ومساعدة أشقائكم العرب خلال قرن كامل، وليس خلال عقدين من الزمن فقط؟!
كم هو المبلغ الذي تبرعتم به سوى دعماً نقدياً أو مقابل مشاريع تنموية في الوطن العربي..؟!
اجمعوا كل هذه المبالغ التي ساعدتم بها الأمة، والتي تذكروا بها الأمة عند كل أزمة وتمنون بها على الأمة..؟!
بالمقابل اجمعوا المبالغ التي انفقتموها في تآمركم على الأمة قطريا وقوميا، ستجدون أن كل ما قدمتم دعما للأمة هو قطرة في بحر ما أنفقتم على تآمركم عليها..؟!
كم أنفقتم على محاربة مصر عبد الناصر؟ كم أنفقتم على محاربة الثورة اليمنية والشعب اليمني من عام 1962وحتى اليوم..؟
كم أنفقتم على تدمير العراق، بدءا من زجه بحرب طاحنة مع إيران والى اليوم..؟ كم أنفقتم على تدمير فلسطين وتمزيق نسيجها النضالي..؟ كم أنفقتم على تدمير ليبيا وسوريا والسودان والصومال.
كم أنفقتم على زعزعة عقيدة المسلمين وتبنيتم دعم الخلايا الجهادية التي راحت تذبح البشر باسم الله.
ماذا قدمتم للعروبة والعرب حتى تصدح أصواتكم اليوم احتجاجا على مواقفهم مما يجري لمحمياتكم التي ورطتموها أنتم بانحيازكم لأعداء الأمة واعتبرتم أن علاقتكم بأمريكا وقوى الاستعمار الصهيوني هو السبيل الوحيد الذي سوف يحقق لكم الأمن ويحمي ثرواتكم من حسد وحقد فقراء الأمة؟ وأنتم من قال أجدادكم وآباءكم أن ثرواتكم هي رزق من الله منحه لكم خاصة ولو كان الله يريد يرزق بقية العرب لرزقهم ولم تختلفوا بقولكم هذا عن قول أولئك الذين قالوا ” أنطعم من لو يشاء الله أطعمه”.
إن ما أنفقته أنظمة الخليج على تدمير الأمة يكفي لتحرير فلسطين وتعمير الوطن العربي مائة مرة وأكثر.
وكيمني أقول: إن ما أنفقته جارتنا على مؤامرات تمزيق اليمن كان وحده يكفي لتعمير الوطن العربي وتحويل صحاريه إلى جنات خضراء..!
إن أشقاءنا في الخليج دمروا كل قيم العروبة والإسلام والتاريخ والجغرافية والهوية ووحدة المصير، وأستعانوا بأعداء الأمة واعتبروا أولئك الأعداء أقرب لهم من أشقائهم العرب والمسلمين، حتى على مستوى العمالة في بلدانهم كم لديهم من العمالة العربية مقابل العمالة الأجنبية؟
والمؤسف أن من تذكر العرب والعروبة من أشقائنا في الخليج وحاولوا السخرية من تقاعس العرب عن نصرتهم، لم يكتفوا بتسويق سردية سخريتهم بل قرنوها بالتهديد والمتمثل في تعزيز علاقتهم مع أعداء الأمة من الصهاينة والأمريكان، وكأنهم لم يكونوا كذلك سابقا وإنما سوف يفعلون هذا من باب رد الفعل على مواقف العرب المتخاذلة عن نصرتهم مع ان لا أحدا اعتداء عليهم، وأن كان المقصود ما تعرضوا له وقد يتعرضوا له في سياق العدوان الصهيو أمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن الجمهورية الإسلامية لم تعتد عليهم بل تستهدف القواعد الأمريكية والمصالح الأمريكية ولا تستهدفهم إلا أن كانوا قد اندمجوا مع أعداء الأمة وأصبحوا جزءا من مصالح أعداء الأمة فعليهم أن يتحملوا تبعات اندماجهم مع أعداء الأمة..!
وبالتالي لا يحق لهم تحويل العروبة إلى “قميص عثمان” يرتدوه متى وجدوا أنفسهم في ضيقة، وحين تنفرج أزماتهم يقلبوا للأمة ظهر المجن، أو يجعلوا منها دعوة حق يراد بها باطل..!

قد يعجبك ايضا