التكتيك الذي اعتمدته طهران لإدارة مضيق هرمز كسلاح غير تماثلي لردع الهجمات الأمريكية الإسرائيلية كان فاعلاً إلى الحد الذي وضع الإدارة الأمريكية في مأزق كبير وفاقم عزلتها الدولية في ظل التداعيات التي خلَّفها إغلاق المضيق على إمدادات النفط العالمية ما جعل كل البدائل التي حاولت إدارة ترامب فعلها لتجاوز هذه الأزمة تنهار بصورة كاملة.
تحليل / أبو بكر عبدالله
تعاطي طهران مع ورقة مضيق هرمز في خضم الحرب الدائرة مع أمريكا وإسرائيل أربك الحسابات العسكرية والسياسية والدبلوماسية الأمريكية ومنح إيران الأفضلية في إدارة الحرب ومكنها من امتلاك مفاتيح استراتيجية لإرغام واشنطن وتل أبيب على وقف الحرب التي تشنها منذ 28 فبراير الماضي، بعدما أفلحت في تحويل المضيق الاستراتيجي إلى ورقة مؤثرة في تحديد مصير الحرب ومستقبلها.
اليوم تواجه أمريكا ضغوطا دولية هائلة من أجل وقف الحرب على إيران انطلاقا من الآثار الكارثية التي سببتها الحرب في أسواق الطاقة العالمية في حين ذهبت أكثر دول العالم بما فيها الحليفة لأمريكا، إلى عدم المشاركة في الحرب بل ورفض دعوة الرئيس ترامب المشاركة بسفن حربية لتأمين الملاحة التي صارت شبه متوقفة في مضيق هرمز المسؤول عن خُمس إمدادات النفط العالمية بنحو 21 مليون برميل يومياً.
وما فعلته طهران بإغلاق مضيق هرمز بشكل كامل أو جزئي كان استخداما بارعا لـ «أدوات الحرب اللاتماثلية» باستخدام مضيق هرمز الاستراتيجي لإمدادات الطاقة كسلاح ردع غير تماثلي في حرب غير متكافئة، أو كورقة ضغط سياسية أو كورقة ضغط في المفاوضات، لتحقيق مكاسب استراتيجية خصوصا في هذا المضيق الذي يعتبر من أهم الممرات الحيوية لتصدير النفط إلى آسيا وأوروبا.
ذلك أن طهران لا تمتلك قوة بحرية تضاهي الأساطيل التي تملكها أمريكا، وفي كل مرة كانت التهديدات الإيرانية بإغلاق المضيق تستهدف الردع، على قاعدة أن الرد «بزيادة كلفة الحرب» وتوسيع حدة الأثر الآني بهزات اقتصادية كبيرة تطاول كل دول العالم، بعد تحويل هذا المضيق إلى منطقة اقتصادية محظورة.
وإغلاق مضيق هرمز لم يعد سيناريو افتراضياً بل أصبح مع دخول الحرب أسبوعها الثالث واقعا ينذر بتداعيات اقتصادية كبيرة، ليس اقلها صدمة الطاقة وحصول شلل في سلاسل الإمداد في العديد من دول العالم التي تعتمد على مضيق هرمز في الحصول على احتياجاتها من النفط بما يعادل خُمس الإمدادات العالمية.
تداعيات هذه الخطوة برزت بوضوح في انهيار منظومة إمدادات النفط والغاز، وحصول عجز عالمي يُقدر بنحو 20 % من الاستهلاك العالمي، وسط تحذيرات من عواقب كارثية في حال استمرار إغلاق المضيق، فقد ترفع سعر برميل النفط إلى أكثر من 200 دولار وبالتالي حصول ارتفاعات تضخمية في أسعار السلع والخدمات في كل دول العالم بما فيها الولايات المتحدة التي ارتفع فيها سعر جالون البنزين إلى 8 دولارات في بعض الولايات.
وبالتوازي مع القفزة الكبيرة لأسعار النفط الخام إلى حوالي 120 دولاراً للبرميل تضاعفت الأسعار الفورية للغاز في أوروبا بعد توقف الإنتاج في حقل قطر الرئيسي للغاز المسال، فضلا عن حدوث شلل في قطاع التأمين والنقل، بعد انسحاب شركات التأمين الكبرى من تغطية مخاطر الحرب في المنطقة، ما ترك أكثر من 3 آلاف سفينة وناقلة عالقة خارج المضيق.
لم تقتصر آثار إغلاق المضيق على أسواق النفط وسلاسل الإمداد بل امتدت سريعا إلى أسعار الغذاء والصناعة، حيث أن 33 % من أسمدة العالم تمر عبر مضيق هرمز، ما يهدد الأمن الغذائي العالمي، في حين أن تناقص إمدادات النفط بدأ يهدد صناعات أخرى مثل الرقائق التكنولوجية والأدوية.
تداعيات كبيرة
على المستوى السياسي الأمريكي شهدت الأيام الماضية تدهورا حادا في شعبية الحزب الجمهوري في مقابل ارتفاع فرص الحزب الديموقراطي في الفوز بمجلس الشيوخ الأمريكي في انتخابات التجديد النصفي إلى مستوى قياسي جديد بلغ 50% وفقا لآخر استطلاعات للرأي، وسط توسع المعارضة لسياسة الرئيس ترامب خصوصا بعد كشف تقارير عن تجاهل ترامب قبل الحرب تحذيرات من رئيس هيئة الأركان الأمريكية بأن إيران قد تغلق مضيق هرمز.
وبحسب استطلاعات الرأي الحديثة، بلغت فرص الديمقراطيين في الفوز بمجلس النواب الأمريكي نحو 85 % وهي نسبة قياسية أيضا كشفت حجم التأثيرات التي خلفتها الحرب على الداخل الأمريكي رغم أنها ما تزال في أسبوعها الثالث.
تزامن ذلك مع تدهور كبير في شعبية الرئيس ترامب، وتوسع حالة العزلة الدولية التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن وجدت الولايات المتحدة نفسها وحيدة مع إسرائيل في حرب ترفض أكثر عواصم العالم المشاركة فيها بما في ذلك حلفاء أمريكا الأوروبيين.
وآثار الهزة الاجتماعية التي أحدثها إغلاق طهران مضيق هرمز واضحة للعيان في الولايات المتحدة في حالة الذعر التي أشاعتها لدى الأمريكيين جراء ارتفاع أسعار الطاقة، ما دعا البيت الأبيض إلى نشر رسائل تحث الأمريكيين على عدم الذعر، تحت شعار « السلام من خلال القوة .. لا للذعر».
وللمرة الأولى بدا أن سائر الدول الأوروبية الحليفة لواشنطن قررت ترك أمريكا لوحدها في هذه الحرب التي فاجأ بها ترامب العالم، استجابة لضغوط إسرائيلية قوية، ما دعا الرئيس ترامب إلى إطلاق تصريحات ينتقد فيها حلفاءه الأوروبيين كما يتحدث عن مستقبل مظلم لحلف «الناتو» ودوله التي رفضت المشاركة في الحرب أو حتى تقديم المساعدة لأمريكا.
والسبب في ذلك الضغوط الهائلة التي تواجه إدارة ترامب جراء هذه الحرب التي عطلت عمل شركات نفطية كبرى مثل شركة «توتال ، إنرجيز» الفرنسية بنسبة 34 % وشركة «بي بي « البريطانية بنسبة 22 % وشركة «إيني» الإيطالية بنسبة 22 % فضلا عن شركة «اكسون موبايل» التي عطلت الحرب نشاطها النفطي بنسبة 20 % وشركة شل» بنسبة 11 %.
هذا الأمر دعا وزراء الطاقة في الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات طارئة وقاسية لمواجهة أزمة ارتفاع أسعار الغاز بما في ذلك تقديم دعم حكومي للصناعات، وخفض الضرائب الوطنية، وزيادة المعروض من تصاريح انبعاثات الكربون لخفض أسعارها، ووضع سقف لأسعار الغاز.
زاد من ذلك الموقف الدولي الذي يشعر بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بدأت تسبب حالة من الفوضى في سلاسل التوريد العالمية، حيث امتلأت موانئ المحيط الهندي بالشحنات المحولة، وقفزت أسعار الشحن من آسيا إلى الشرق الأوسط إلى مستويات قياسية، في حين أن مئات السفن ظلت عالقة في الخليج، مع معاناة مراكز الشحن الآسيوية من نقص الوقود، بما مثله ذلك من ضربة قاسية لقطاع الملاحة البحرية الذي كان يحاول التعافي واستعادة مساراته التقليدية بين أوروبا وآسيا.
والتداعيات التي أحدثها استخدام طهران لورقة مضيق هرمز في الحرب الدائرة اليوم تبدو مرشحة للتصاعد بشكل كبير خلال الأيام القادمة، في ظل التقديرات التي تؤكد أن الاستمرار في إغلاق المضيق هو السيناريو الأكثر ترجيحا، خصوصا بعد دعوة المرشد الأعلى مجتبي خامنئي إلى الاستمرار في إغلاقه باعتباره أداة ردع استراتيجية.
ذلك أن إغلاق مضيق هرمز سيقود إلى تفاقم خطير للغاية في أزمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار الوقود على المستوى العالمي بما في ذلك الولايات المتحدة التي ستعاني أكثر من غيرها من تداعيات هذه ا لأزمة التي قد تقود إلى خسارة ترامب وحزبه الانتخابات النصفية، في حين أنها ستقود إلى تداعيات مفتوحة على مستوى العالم.
تمتد التداعيات أيضا إلى قطاعات النقل البحري والجوي، والمعاملات المصرفية لدى البنوك الأمريكية العاملة في المنطقة، ناهيك عن تداعياتها على سوق العمل في ظل التقديرات التي تتحدث عن فقدان مئات الآلاف وظائفهم جراء هذه الأزمة، بما يعنيه ذلك من ارتفاع مؤشرات البطالة خصوصا في إيطاليا وبريطانيا، فضلا عن ارتفاع معدلات التضخم في أكثر الدول الأوروبية والآسيوية، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
تحركات فاشلة
منذ اليوم الأول لإغلاق إيران مضيق هرمز شرعت الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات عسكرية ودبلوماسية لتأمين الملاحة في المضيق غير أنها منيت كلها بالفشل، وسط تقديرات أمريكية بأن تأمين مضيق هرمز لا يزال يمثل مهمة شديدة التعقيد قد تستغرق شهورا.
وكل التقديرات الدولية تذهب إلى أن إيران وبعد أسبوعين من الحرب أثبتت أنها وحدها من يمتلك مفتاح إعادة استقرار سوق الطاقة العالمي وليس الولايات المتحدة، بسبب قدرتها على التحكم بمضيق هرمز، وقدرتها على استهداف السفن التي لا ترضخ للتعليمات، ناهيك بقدرتها على استهداف البدائل التي ظهرت مؤخرا مثل ميناء الفجيرة الإماراتي.
وجغرافيا المنطقة كانت هذه المرة لصالح إيران ومنحتها مزايا فريدة لفرض السيطرة العسكرية على المضيق، فعرض ممرات الشحن في المضيق لا تتجاوز الميلين، وعملية المرور فيه تفرض على الناقلات والسفن ان تستدير قبالة جزر إيرانية وساحل جبلي طويل يوفر الغطاء المثالي للقوات الإيرانية ويمنحها القدرة على منع مرور السفن أو منحها الإذن بالمرور.
وتمكنت طهران من زرع عشرات الألغام في المضيق، مع احتفاظها بالقدرة على زرع المئات، في حين تؤكد طهران أنها لا تزال حتى اليوم تمتلك ترسانة كبيرة من الزوارق السريعة والغواصات الصغيرة، والطائرات المسيرة، القادرة على فرض سيطرة كاملة على المضيق.
هذه العوامل وضعت عراقيل كثيرة أمام محاولات الولايات المتحدة تأمين خطوط الملاحة في المضيق، خصوصا أن عمليات تطهير المنطقة من الألغام تتطلب سفنا كاسحة متخصصة تعمل تحت تهديد الصواريخ الساحلية، لتأمين مرور بين 3 ـ 4 سفن يوميا، لفترات قصيرة، مع استحالة بقاء هذه الآلية لفترات طويلة.
عزلة أمريكية
الصعوبات الأمنية واللوجيستية التي واجهتها واشنطن لتأمين الملاحة في المضيق أرغمت الرئيس ترامب على توجيه دعوة إلى دول العالم للمشاركة بسفن حربية لتأمين حركة الملاحة في المضيق، غير أن هذه الدعوة واجهت انتكاسة كبيرة، بعد إعلان العديد من دول العالم رفضها المشاركة في الحرب.
ذهب ترامب أيضا إلى ممارسة ضغوط علنية على دول حلف «الناتو» التي قال إنها ستواجه «مستقبلا سيئا للغاية» إذا لم تدعم الولايات المتحدة في صراعها مع إيران، كما مارس ضغوطا كبيرة على الدول الخليجية للانضمام إلى القوات الأمريكية والإسرائيلية في الحرب ضد إيران، للإبقاء على المضيق مفتوحا، بعد إعلان إدارته رفضها تحمل أعباء هذه الأزمة لوحدها، غير أن الدعوة واجهت أيضا رفضا من دول المنطقة.
وواجهت دعوة الرئيس ترامب لتشكيل تحالف دولي بحري متعدد الجنسيات لمرافقة السفن التجارية وحماية المضيق رفضاً وتحفظاً واسعاً، حيث أعلنت بعض الدول موافقتها من حيث المبدأ على الانضمام إلى مهمة المرافقة البحرية بعد انتهاء الأعمال العدائية، بينما بدت حكومات أخرى حذرة من المخاطر المحتملة، حيث أعلنت قبولها الدعوة بتقديم المساعدة، لكن بشروط صارمة لتجنب الانجرار إلى الحرب.
اما الاتحاد الأوروبي فقد اكتفى بدراسة توسيع مهمة «أسبيدس» من البحر الأحمر لتشمل هرمز، ما أفصح عن عزلة دولية مريعة للسياسة الأمريكية في المنطقة.
والوضع الصعب الذي يواجه الرئيس ترامب في هذا الملف دفعه للاستنجاد بالصين، التي قدمت مقاربات صعبة للاستجابة، إذ أعلنت أن بإمكانها إرسال عدة سفن حربية إلى الخليج العربي بما يتماشى مع توقعات ترامب، ولكن ضمن اتفاق مع إيران يضمن عدم استهدف سفنها الحربية والتجارية، مقابل تقديم الصين مساعدات عسكرية لإيران.
هذه المواقف شكلت انتكاسة للرئيس ترامب وإدارته التي كانت تأمل في مساهمات دولية في الحرب تتيح تأمين الملاحة في مضيق هرمز، خصوصا أن بقاء المضيق تحت السيطرة الإيرانية الكاملة، سيقود إلى جمود عسكري وتداعيات اقتصادية ستطال كل دول العالم التي بدت كلها مشغولة باحتواء تداعيات هذه الحرب.
سيناريوهات محتملة
رغم استمرار الحرب بوتيرتها العالية إلا أن المشهد العام لم يخل من جهود دبلوماسية دولية تحاول البحث عن مخرج ينقذ الرئيس ترامب وإدارته من هذا المأزق، ولا سيما من جانب فرنسا التي بدأت تقود جهودا من أجل ابرام اتفاق يشبه «اتفاق الحبوب» الأوكراني.
هذه النافذة هي الوحيدة المفتوحة اليوم امام الرئيس ترامب، خصوصا بعد أن أعلنت طهران السماح لناقلات النفط الخاصة بالدول غير المشاركة في الهجوم الأمريكي الإسرائيلي أو غير المرتبطة بعلاقات تجارية مع واشنطن بالمرور بشكل آمن، بما في ذلك الدول التي تعتمد اليوان الصيني عملة تبادل تجاري بدلا من الدولار في خطوة تتلاقى مع المساعي التي تقودها روسيا والصين للحد من هيمنة الدولار على التعاملات التجارية الدولية.
وفقا لذلك يُتوقع أن تتجه الأزمة في سيناريوهين اثنين الأول: يفترض استنزافاً طويل الأمد وتصعيداً إقليمي خطيراً، بينما يفترض الثاني أن يستجيب الرئيس ترامب للضغوط الدولية ويوقف الحرب مع إعلان انتصار وهمي وهو ما سيقود إلى وقف إيران هجماتها لكنه الأقل ترجيحاً في المدى المنظور.
ما يدعم السيناريو الأول هو التصعيد المتبادل من جانبي الحرب، في ظل استمرار الضربات المتبادلة التي يتوقع أن تستمر لفترة طويلة، دون أن يتمكن طرف من حسمها بشكل كامل.
يزيد من ذلك اعتماد طهران على نظام لا مركزي لإدارة الحرب ليسمح بإدارتها فترات طويلة، فضلا عن اعتمادها على أدوات الحرب اللا تماثلية بالسيطرة على مضيق هرمز وزرعه بالالغام الذكية التي تمتلك منها ترسانة تقدّر بـ2000 إلى 6000 لغم، ما يجعل عملية تطهير المضيق معقدة وتستغرق أسابيع، ناهيك عن امتلاكها الزوارق السريعة والضفادع البشرية والمسيّرات لاستهداف أي سفينة تحاول العبور.
ويبقى سيناريو التسوية السياسية هو الأقل ترجيحا خلال الفترة القادمة، لكنه مطروح على الطاولة مع استمرار الضغوط الدولية على إدارة ترامب لإنهاء الحرب، غير أنه يواجه بعقبات كبيرة من جانب إيران التي أعلنت شروطا للقبول بالمفاوضات وفي المقدمة وقف الهجمات وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة وضمانات دولية بعدم تكرر الهجمات.
ومن جانب آخر فإن أي مفاوضات نحو تسوية سياسية للأزمة تتطلب وقفا مسبقا لإطلاق النار، وهو أمر غير مطروح حالياً مع استمرار العمليات العسكرية، في حين ترفض إيران رفضا قاطعا إعلان الاستسلام ما يجعل التسوية السياسية مستحيلة في المدى المنظور.
