رسائل تحذير من صنعاء إلى الرياض:لا بد من إنهاء العدوان والحصار والإفراج عن مرتبات الموظفين وحقوق الشعب المنهوبة
السعودية ورّدت ما قيمته 65 مليار دولار من عائدات النفط والغاز اليمني إلى مصارفها الخاصة
ما يزال النظام السعودي يمعن ويتمادى في المماطلة والتهرب من استحقاقات الملف الإنساني والاقتصادي المتفق علية بين صنعاء والرياض منذ أكثر من ثلاث سنوات على بدء إعلان الهدنة عقب زيارة السفير السعودي إلى صنعاء، والمتمثل برفع الحصار وإطلاق الأسرى وإعادة صرف مرتبات الموظفين، ومهما طال الوقت أم قصر فإن السعودية ملزمة بمعالجة ملفات عدوان تصدرت دفة قيادته، بدءاً بالملفات الإنسانية وإعادة أموال الشعب المنهوبة ودفع فاتورة المرتبات وإعادة إعمار ما دمره العدوان وجبر الضرر وسحب آخر جندي سعودي محتل من اليمن.
الثورة / أحمد المالكي
وفي خطاب التهنئة بحلول شهر رمضان المبارك، بعث القائم بأعمال رئيس الوزراء العلامة محمد مفتاح برسائل مهمة في اتجاهات عدة داخلية وخارجية، كان أبرزها تجديده حث الرياض وحكامها على “السير في خط خفض التصعيد وصولاً إلى إنهاء العدوان والحصار وتنفيذ خارطة الطريق والإفراج عن مرتبات الموظفين وحقوق الشعب”. وفيما ذكَّر النظام السعودي بمسؤوليته عن “نتائج وفظائع عدوانه وحصاره طوال أكثر من عقد من الزمن”، تعهد للشعب بأن “نهاية المعاناة قريبة”، مؤكداً أن معاناة الشعب المستمرة هي “نتيجة طول الحصار ومماطلة المعتدين في تنفيذ استحقاقات السلام”.
هذه الرسائل تأتي في ظل مساعي السعودية لفرض أمر واقع جديد داخل المحافظات النفطية اليمنية المحتلة، وتحديداً حضرموت وشبوة والمهرة، بتفريخ الميليشيات وعسكرة الشريط الصحراوي بتلك المجاميع الميليشاوية، وبعد ساعات من تغول السعودية بتقديم منفذها البري المحاذي لمحافظة حضرموت إلى عمق الأراضي اليمنية.
عقد عدواني
فعلى مدى أكثر من عشر سنوات استمر النظام السعودي بدعم أمريكي غربي في فرض حصار اقتصادي وعدوان غاشم تم خلاله تدمير عشرات آلاف المنازل والمنشآت والبنى التحتية، وأعلن الحصار غير الإنساني الشامل على اليمن، وتم نقل وظائف البنك المركزي من العاصمة صنعاء إلى محافظة عدن، ونفذ أشكال الحرب الاقتصادية المهندسة بريطانياً وأميركياً، واستحوذ على موارد البلاد السيادية وورد ما قيمته 65 مليار دولار من عائدات النفط والغاز إلى مصارفه الخاصة وفق تقديرات بعض خبراء الاقتصاد اليمنيين، وتسبب بتوقف مرتبات الموظفين، والدفع باليمن واليمنيين شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً إلى أسوأ درجات ومستويات الفقر والحرمان، ومزق النسيج الاجتماعي اليمني، الجغرافيا والسيادة اليمنية كل ممزق.
أمام هذه الوقائع، والسلوك العدواني السعودي، وفي ظل الواقع الصعب الذي يعيشه اليمنيون قاطبة في الشمال والجنوب والوسط والشرق والغرب، كان على صنعاء من منطلق المسؤولية الدينية والإنسانية والأخلاقية والوطنية أن تقول للرياض كفى ، وأن تحرك العجلة من جديد بعد “تجميد سعودي سياسي” لكل الملفات والاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية طيلة السنوات الماضية، والتغول أكثر في السيادة مؤخراً بدلاً من سحب قواتها المحتلة، ومعالجةِ ملفاتِ حروبٍ أشعلت نارها السعودية بدفع وتحريض أميركي وإسرائيلي منذ البداية ولا يزال مستمراً إلى اليوم بهدف توريطها وإحباط أي مسار للحل والتهدئة ومحاولة دفع نظام الرياض إلى عدوان جديد بالوكالة عن واشنطن وتل أبيب ولندن بدافع الانتقام من اليمن على خلفية موقفه الإنساني والأخلاقي والديني مع فلسطين وغزة ولبنان خلال معركة طوفان الأقصى.
التزام لا بد منه
وبحسب كتَّاب ومهتمين، وسواء استجاب النظام السعودي لدعوات السلام أم اندفع للتصعيد أم استمر في المراوغة والمماطلة، فإنها ملزمة بمعالجة ملفات عدوان تصدرت دفة قيادته، بدءاً بالملفات الإنسانية وإعادة أموال الشعب المنهوبة ودفع فاتورة المرتبات وإعادة إعمار ما دمره العدوان وجبر الضرر وسحب آخر جندي سعودي محتل من اليمن.
حكومة صنعاء وجهت إنذاراً صريحاً وواضحاً للسعودية بضرورة تنفيذ بنود اتفاق السلام الذي تراجعت عنه الرياض تحت ضغط أمريكي وصهيوني، فبعد توقف الحرب على غزة، التي شارك فيها اليمن دعمًا للمقاومة الفلسطينية، تعود صنعاء لتضع ملف السلام في صدارة أولوياتها، فلم تعد السعودية قادرة على الاستمرار في سياسة المماطلة، إذ يرى اليمنيون أن المملكة تهرب من استحقاقات السلام، بينما تواصل معاناة الشعب اليمني بسبب الحصار والعدوان المستمر، هذا الموقف اليمني الحازم يعكس تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا ، فاليمن لم يعد الطرف الضعيف الذي يُملى عليه، بل أصبح قوة إقليمية تفرض شروطها وتدافع عن كرامتها الوطنية في وجه أطماع الجار الذي شن حربًا ظالمة لعقد كامل دون أن يحقق شيئًا سوى الهزيمة.
تفاهمات
تفاهمات السلام التي وُقعت قبل عام ونصف بين صنعاء والرياض كانت بمثابة فرصة تاريخية لإنهاء الحرب، لكنها ضاعت بسبب تردد السعودية وتبعيتها السياسية لواشنطن، فبينما أبدت صنعاء استعدادًا حقيقيًا للسلام، اختارت الرياض المماطلة، ومحاولة كسب الوقت لإعادة ترتيب أوراقها بعد هزائمها الميدانية، هذا التلكؤ لم يكن ناتجًا عن ضعف في الإرادة فحسب، بل عن قناعة راسخة لدى النظام السعودي بأن اليمن يجب أن يبقى تابعًا سياسيًا واقتصاديًا له. إلا أن الواقع تغيّر؛ فاليمنيون استطاعوا فرض توازن ردع حقيقي، وأثبتوا أن زمن الهيمنة السعودية قد انتهى، كما ان الاتفاق الذي نصّ على وقف العدوان ورفع الحصار ودفع الرواتب وتبادل الأسرى بقي حبرًا على ورق، لأن الرياض لم تمتلك الجرأة لتنفيذه بعيدًا عن إرادة الأمريكيين، وبحسب المهتمين ومع تغير المعادلات الإقليمية بعد غزة، تجد السعودية نفسها في موقف العاجز أمام صمود اليمنيين وإصرارهم على استعادة سيادتهم.
القيادة السياسية اليمنية أكدت أن مرحلة المجاملات انتهت، وأن الرياض مطالبة بالانتقال من “خفض التصعيد” إلى “إنهاء العدوان الكامل”، على اعتبار أن اليمن قدّم ما يكفي من المرونة خلال العامين الماضيين، لكنه يرى أن صبره يُستغل لتكريس واقع الحصار.
تصريحات المسؤولين اليمنيين الأخيرة تعبّر عن موقف وطني جامع: لا سلام دون رفع الحصار، ولا تهدئة دون إنهاء الاحتلال، الإنذار الأخير ليس تهديدًا فارغًا، بل تحذيراً مبنياً على قدرات ميدانية أثبتت فاعليتها خلال السنوات الماضية، الرياض تعرف أن أي تجاهل للمطالب اليمنية سيقابله رد مؤلم، فموازين القوة تغيّرت، والطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية اليمنية قادرة على الوصول إلى عمق السعودية متى اقتضت الحاجة، لذلك، فإن خيار السلام اليوم ليس منّة سعودية، بل ضرورة تفرضها معادلات الردع الجديدة التي فرضها صمود صنعاء وشعبها.
تقمّص
فيما النظام السعودي يصر على “تقمص دور الوسيط” رغم أنه من تزعم العدوان العسكري على اليمن، وألقى مع الدول التي جلبها إلى تحالفه المشؤوم آلاف أو عشرات آلاف الأطنان من الصواريخ والقنابل على رؤوس اليمنيين من دون تمييز ربما بأكثر مما ألقاه العدو الإسرائيلي على غزة خلال العامين الماضيين، ونشر روائح الموت والقتل في كل المحافظات اليمنية، وتسبب باستشهاد عشرات آلاف اليمنيين من الأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير عشرات آلاف المنازل والمنشآت والبنى التحتية، وأعلن الحصار الشامل اللاإنساني على اليمن، وأعلن نقل وظائف البنك المركزي من العاصمة صنعاء إلى محافظة عدن، ونفذ أشكال الحرب الاقتصادية المهندسة بريطانياً وأميركياً، واستحوذ على موارد البلاد السيادية وورد ما قيمته 65 مليار دولار من عائدات النفط والغاز إلى مصارفه الخاصة وفق تقديرات بعض خبراء الاقتصاد اليمنيين، وتسبب بتوقف مرتبات الموظفين، والدفع باليمن واليمنيين شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً إلى أسوأ درجات ومستويات الفقر والحرمان، ومزق النسيج الاجتماعي اليمني، الجغرافيا والسيادة اليمنية كل ممزق.
