مع إطلالة شهر رمضان المبارك، تتجدد في وجدان الأمة معاني الإيمان والتقوى، وتتعاظم قيم التضامن والتكافل، ويستعيد المجتمع روحه الجماعية في أسمى صورها، إنه شهر الوعي قبل أن يكون شهر الجوع، وشهر المواقف والإيمان؛ ففيه تتعزز صلة الإنسان بربه، كما تتعزز صلته بقضايا أمته وآلامها، وفي مقدمتها ما يجري في فلسطين، حيث يستمر العدوان على غزة وسط دعمٍ غربيٍّ واضحٍ للكيان الإسرائيلي.
وفي ظل هذا المشهد المأساوي، يبرز رمضان كفرصة تاريخية لتفعيل سلاحٍ سلميٍّ مؤثر: المقاطعة الاقتصادية للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، والشركات الداعمة للاحتلال، فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يمتد إلى الامتناع عن كل ما يُسهم في دعم الظلم أو تمويل الأعداء.
إن المقاطعة تحولت في السنوات الأخيرة إلى أداة ضغط اقتصادي حقيقية، الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد بصورة كبيرة على التصدير، والاستثمارات الخارجية، والأسواق المفتوحة، وأي تراجع في المبيعات أو سحب للاستثمارات ينعكس مباشرة على أداء الشركات الكبرى التي تمثل رافعة أساسية للاقتصاد، كما أن العديد من الشركات متعددة الجنسيات ترتبط بعلاقات استثمارية أو لوجستية مع مؤسسات إسرائيلية، وهو ما يجعل الضغط عليها عبر المقاطعة الشعبية وسيلة عملية للتأثير على سياساتها، لقد أثبتت التجارب السابقة أن تراجع الأرباح أو تشويه الصورة العامة للشركات يمكن أن يدفعها إلى إعادة النظر في مواقفها، حفاظًا على أسواقها وسمعتها.
وفي شهر رمضان تحديدًا، حيث ترتفع معدلات الاستهلاك بشكل ملحوظ، تتضاعف أهمية المقاطعة، فالإنفاق في هذا الشهر يمثل فرصة ضغط حقيقية، إذ يمكن تحويل القوة الشرائية الجماعية إلى رسالة سياسية واضحة: أموالنا لن تكون رافدًا لاقتصاد يدعم العدوان.
في مقابل هذا الوعي المتصاعد، تحاول بعض الأصوات التقليل من أثر المقاطعة، ووصمها بعدم الجدوى أو المبالغة في تأثيرها، غير أن الواقع يثبت أن الضغط الاقتصادي التراكمي، حتى وإن بدا محدودًا في بدايته، يتحول مع الزمن إلى عامل مؤثر في حسابات الشركات والحكومات.
فالمقاطعة ليست قرارًا فرديًا معزولًا، بل حركة جماعية إذا اتسعت رقعتها أحدثت تحولًا حقيقيًا في موازين السوق، والرهان هنا ليس على يوم أو أسبوع، بل على الاستمرارية، وعلى ترسيخ ثقافة استهلاكية واعية تدرك أن كل عملية شراء هي في جوهرها تصويت اقتصادي يحدد إلى أين تذهب الأموال.
لا يقتصر أثر المقاطعة على الجانب المالي فقط، بل يمتد إلى الفضاء السياسي والإعلامي، فحين تنتشر حملات المقاطعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتتحول إلى خطاب جماهيري واسع، فإنها تضع الحكومات الغربية أمام ضغط داخلي متزايد، خاصة في الدول التي تتأثر فيها السياسات العامة بالرأي العام.
كما أن اتساع رقعة المقاطعة في عدد من الدول الأوروبية يعكس تحولًا ملموسًا في المزاج الشعبي العالمي تجاه القضية الفلسطينية، ويعزز من عزل الاحتلال سياسيًا وأخلاقيًا، إن صورة الكيان الصهيوني في الإعلام الدولي لم تعد كما كانت، وحملات الضغط المدني أسهمت في كشف حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون.
وفي هذا السياق، يؤكد قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي على أهمية تصعيد المقاطعة الاقتصادية باعتبارها سلاحًا استراتيجيًا في مواجهة الهيمنة الصهيونية والغربية، خاصة في ظل العدوان المستمر على غزة، وأن المقاطعة مسؤولية جماعية تشمل الأفراد والتجار والمؤسسات.
هذه الدعوات تعكس إدراكًا متزايدًا بأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية وإعلامية أيضًا، وأن الشعوب قادرة على التأثير في موازين الصراع عبر أدوات سلمية منظمة.
رمضان مدرسة عملية لضبط النفس وترشيد الاستهلاك، وهو ما يتقاطع مباشرة مع فكرة المقاطعة، فحين يختار الصائم أن يقلل من إنفاقه على السلع الكمالية، وأن يتوجه نحو المنتجات المحلية أو البدائل المتاحة، فإنه لا يحقق بعدًا اقتصاديًا فحسب، بل يعزز الاكتفاء الذاتي ويدعم الاقتصاد الوطني.
وفي ظل ما يتعرض له الفلسطينيون من قتل وحصار وتجويع، يصبح الامتناع عن شراء المنتجات الداعمة للاحتلال رسالة واضحة بأن المسلمين، بل وكل الأحرار في العالم، لن يكونوا شركاء في تمويل الجرائم أو تغطيتها اقتصاديًا، فالمقاطعة في جوهرها تعبير عن الانحياز للعدالة، وعن رفض تحويل الأسواق إلى أدوات لتمويل العدوان.
شهر رمضان هو موسم للعمل الجماعي الواعي، وإذا كانت الدعوات إلى نصرة فلسطين تتجدد كل عام، فإن تجسيدها عمليًا عبر المقاطعة الاقتصادية يمنحها بعدًا مؤثرًا ومستدامًا، إنها معركة وعي، وسلاحها في متناول الجميع: قرار شراء أو قرار امتناع، وفي هذا القرار تكمن قوة الشعوب.
