لا يمكن قراءة ما يُطرح اليوم تحت عنوان “إعمار رفح” بمعزل عن العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي ترى في الفضاء الفلسطيني مجرد “ملف أمني” يجب ضبطه، لا مجتمعاً حياً يستحق الحياة. إن هذا المشروع، الذي يُسوَّق للعالم تحت غطاء إنساني وإعماري، ليس في حقيقته إلا محاولة مكشوفة لإعادة هندسة قطاع غزة عمرانياً وسكانياً، وتحويله من فضاء حضري مفتوح إلى كتل خرسانية مغلقة تخضع لمنطق المراقبة الشاملة والضبط والسيطرة.
إن إسرائيل، في سعيها لإعادة بناء ما دمرته آلتها العسكرية، لا تنطلق من رغبة في تمكين المجتمع من استعادة حياته الطبيعية، بل تسعى إلى “هندسة المجال” بما يخدم تفوقها الأمني. المجمعات السكنية المسوّرة المقترحة ليست حلولاً عمرانية لأزمة سكن، بل هي “أدوات احتواء” مادية. نحن أمام رؤية تهدف إلى خلق وحدات سكنية بمداخل محدودة، يسهل عزلها أو حصارها أو مراقبتها في أي لحظة.
في هذا النموذج، لا تنمو المدينة عضوياً كما تفعل المدن الحرة حيث تتفرع الأزقة وتنبض الأسواق بلا استئذان، بل تُصمم بعقل “السجان”؛ مدن صامتة، مستقيمة، مراقبة، يمكن إغلاقها بقرار تقني واحد. هذا ليس إعماراً، بل هو إعادة تنظيم للناس داخل قوالب هندسية تجعل من كل تجمع بشري كتلة يمكن إدارتها وتفكيكها بسهولة عند الضرورة.
إن الأخطر في مخطط إعمار رفح هو سعيه لشرعنة الحصار بصيغة “ذكية”، أقل صخباً وأكثر إحكاماً. لم يعد الحصار يُقدَّم بصورته التقليدية المتمثلة في الأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة والدبابات على الأطراف، بل انتقل إلى بنية تحتية رقمية تتحكم في أدق تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين.
ما نراه اليوم هو انتقال جذري من “المشهد العسكري الصريح” إلى “السيطرة الهيكلية الصامتة”. فالحصار لم ينتهِ، بل أعاد تعريف نفسه؛ حيث أصبحت الخوارزمية بديلاً للمدفع، ونظام التصاريح الرقمي بديلاً لنقطة التفتيش التقليدية، والجدار الذكي بديلاً للسياج المتهالك. إنها سيطرة ناعمة في مظهرها، لكنها خانقة في جوهرها، حيث تتحول الخدمات الأساسية من حقوق إلى “أدوات ضغط” تُمنح وتُسحب بقرار مركزي.
عندما تُدار الحياة مالياً عبر أنظمة رقمية مركزية، يصبح الراتب، والمساعدة الإنسانية، والقدرة على الشراء والبيع، رهينة لأنظمة الرصد. وعندما تُدار المدينة أمنياً عبر بنى مراقبة متقدمة، يتحول النشاط المدني والحركة اليومية إلى “بيانات” قابلة للتحليل والتقييد.
هنا تكمن المأساة؛ إذ يتحول المجتمع الفلسطيني من كيان حيّ فاعل إلى “ملف رقمي” يمكن فتحه أو تجميده بقرار تقني بعيد. الرسالة الإسرائيلية من وراء هذا التصميم واضحة: ضبط السكان أولاً، ثم إدارة وجودهم ثانياً. إنها محاولة لتجريد المجتمع من قدرته على الفعل التلقائي، وجعل كل مساحة في غزة خاضعة لتصميم أمني مسبق لا يترك مجالاً للحرية.
إن تحويل قطاع غزة إلى “نموذج سكاني خاضع للإدارة المستمرة” سيبقى وصمة سياسية وأخلاقية مهما تعددت المسميات البراقة. فالإعمار الحقيقي لا يبدأ بصب الخرسانة، بل يبدأ بتمكين الناس من العيش بكرامة فوق أرضهم، وبناء مدنهم كما يريدونها هم، لا كما تُرسم لهم على طاولات التخطيط الأمني.
إن أي مشروع يضع أولوية الضبط قبل الكرامة، والرقابة قبل الحرية، ليس مشروع حياة، بل هو مشروع هيمنة يسعى لتكريس السيطرة بواجهة حداثية. غزة ليست معادلة تقنية أو ملفاً أمنياً، إنها مجتمع يرفض أن يُختزل في “خوارزمية” أو يُسجن داخل “مربع خرساني”. فالسيطرة، وإن غيرت شكلها وارتدت رداء الإعمار، تظل في جوهرها أداة لقمع إرادة الحياة، وهي حقيقة لا يمكن لأي جدار ذكي أن يخفيها.
