رمضان.. ضيف الروح الكبير: الاستعداد النفسي والذهني والجسدي أولويات لا تحتمل التأجيل

شهر الرحمة محطة سنوية لتجديد العهد مع الله وتصفية الحساب مع النفس

الثورة /رجاء عاطف

أيامٌ قليلة تفصلنا عن شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، شهر رمضان المبارك؛ شهر الخير وفرصة التقرب إلى الله بما يحب ويرضى. فكيف نُعدّ العُدّة لاستقباله الاستقبال الذي يليق بمكانته العظيمة؟ وكيف نهيّئ أنفسنا نفسياً وذهنياً وجسدياً لنغتنم أيامه ولياليه على الوجه الأمثل؟ تساؤلات تضعها «الأسرة» بين يدي القارئ في هذا التقرير الذي يستطلع آراء عدد من المختصات والناشطات حول مفهوم التهيئة الرمضانية وأهميتها في تحويل الشهر الفضيل إلى محطة تغيير حقيقي في حياة الإنسان.
ترى ولاء عقيل أن رمضان «ليس مجرد ضيف يزور تقويمنا كل عام، بل محطة عبور نخلع فيها أثقال الروح لنتزود بما يكفينا لبقية العام»، مؤكدة أن تجهيز القلب يسبق تجهيز المائدة. وتضيف أن التهيئة لرمضان هي «الفن الخفي» الذي يحوّل الصيام من ممارسة روتينية إلى رحلة سكينة نخرج منها بقلوب أنقى وأرواح أخف.
وتوضح عقيل أن الاستعداد الشامل يبدأ بالتهيئة النفسية عبر الانتقال من حالة «الضجيج» إلى حالة «السكينة»، وتجديد النية، واستقبال الشهر بقلب أبيض متخفف من الأحقاد والخصومات، ليكون وعاءً صالحاً لاستقبال نفحات رمضان. كما دعت إلى الاستعداد الجسدي من خلال تقليل الوجبات والمنبهات تدريجياً وتنظيم ساعات النوم، لتفادي إرهاق الأيام الأولى. أما الاستعداد الذهني، فجوهره وضع أهداف واقعية قابلة للاستمرار، مؤكدة أن «قليل دائم خير من كثير منقطع».
استثمار النفس وترتيب الأولويات
وتؤكد عقيل أهمية تخصيص ركن هادئ في المنزل لترتيب الأفكار وتحديد الأولويات، سواء ورد قرآني أو ساعة تأمل أو خلق حسن يسعى الإنسان لاكتسابه خلال الشهر. وتختم بالقول إن الاستعداد لرمضان استثمار في النفس؛ فكلما كانت التهيئة أعمق كان الحصاد في نهاية الشهر أغنى، ولتكن الغاية أن «نعيش رمضان» لا أن نمرّ به مرور العابرين.
رمضان مدرسة إيمانية للتجديد والتصحيح
من جانبها، تؤكد صفاء الحمزي أن رمضان يمثل فرصة عظيمة لإعادة ترتيب الأولويات وتجديد العلاقة بالله سبحانه وتعالى، مشيرة إلى أن الشهر الفضيل ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل «مدرسة إيمانية» تعلّم الإنسان الوعي العميق بقدرته على الارتقاء روحاً وفكراً. وترى الحمزي أن رمضان فرصة للتأمل والتصحيح والعودة إلى الفطرة في العبادة والطاعة، مستشهدة بقوله تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.
محاضرات التهيئة الرمضانية وخارطة الوعي
وتعتبر الحمزي أن محاضرات التهيئة الرمضانية للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي تمثل جزءاً أساسياً من الاستعداد لشهر رمضان، لما تحمله من مضامين تعزز الوعي وتحث على استثمار الشهر في ترسيخ الإيمان والتمسك بالقيم الإلهية، ومواجهة الضغوط والتحديات. وتؤكد أن هذه المحاضرات تمثل «خارطة طريق» للارتقاء بالنفس والعقل، داعية إلى اغتنام الفرصة لتحقيق الهداية والتغيير الجذري في حياة الإنسان.
تهيئة تسبق الشهر.. وسُنّة نبوية في الاستعداد
بدورها، ترى فاطمة المؤيد أن التهيئة الرمضانية محطة يتزود منها المسلم بمعرفة فضل الشهر الكريم وأهميته، وعادة ما تبدأ في الأسبوع الأخير من شعبان، لتهيئة النفس والذهن لاستقبال رمضان بروحية الإقبال على الله، بعيداً عن الرتابة التي تفقد الإنسان استشعار عظمة هذه الفرصة. وتستحضر المؤيد سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تذكير الناس بأهمية رمضان في آخر جمعة من شعبان، مشيرة إلى أن مقدار الاستفادة من الشهر مرتبط بمدى الاستعداد المسبق والصدق في النية واللجوء إلى الله.
العناية الإلهية وليلة القدر
من جهتها، تشدد أم زينب الأنسي على أن الاستعداد النفسي والذهني المسبق له ارتباط وثيق بالتوفيق الإلهي ونيل بركة ليلة القدر، محذّرة من استقبال رمضان بشكل روتيني يفقده أثره التربوي والروحي. وترى أن الاعتياد دون وعي واستعداد يضيّع على الإنسان فرصة عظيمة للتزود من عطاء الله الواسع، ويقوده إلى الانشغال بما لا قيمة له على حساب المقاصد الكبرى للشهر الفضيل.
محطات عملية للتهيئة الرمضانية
وتتلخص التهيئة العملية لشهر رمضان في جملة من المحطات الأساسية، أبرزها:
المحافظة على الصلوات في أوقاتها لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
الإكثار من ذكر الله والتسبيح امتثالاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
المداومة على الاستغفار لما له من أثر في دفع البلاء وتعزيز التقوى، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
قيام الليل والدعاء والتضرع لما فيه من صفاء روحي وتطهير للنفس، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾.
الصدقات وأعمال البر لما لها من أثر في تزكية النفوس وتطهيرها من الأدران، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.
خلاصة:
رمضان ليس محطة زمنية عابرة، بل فرصة سنوية لإعادة بناء الإنسان من الداخل. وكلما كان الاستعداد أعمق، كان الأثر أصدق، وكانت ثمار الشهر أوسع في النفس والسلوك والحياة.

قد يعجبك ايضا