في مشهدٍ إيماني جامع، شهدت كل ساحات الجمهورية اليمنية أمس، خروجًا جماهيريًا غير مسبوق، تلبيةً لنداء الإخوة في غزة، وتجسيدًا لوعيٍ شعبيٍّ راسخ يرى في نصرة المظلوم واجبًا أخلاقيًا ودينيًا، لا موسمية فيه ولا تراجع عنه. لم يكن الحضور الكثيف مجرّد تعبيرٍ عاطفيٍّ عابر، بل رسالة سياسية واضحة المعالم، تُقرأ بعمق في سياق الصراع، وتُفهم باعتبارها موقفًا ثابتًا يتجدد مع كل محطة.
زخمٌ إيماني يتجاوز الجغرافيا
امتلأت الساحات بجموعٍ متراصة، وحّدتها القضية ووحّدها الموقف. تنوّع المشاركون في أعمارهم وانتماءاتهم الاجتماعية، لكنهم التقوا على كلمةٍ واحدة: غزة ليست وحدها. هذا الامتداد الجغرافي والزخم البشري يعكسان حالة اصطفافٍ إيماني نادر، تُدرك فيه الجماهير أن المعركة ليست حدثًا بعيدًا، بل شأنٌ يمسّ كرامة الأمة ومستقبلها.
استجابة واعية لا تُدار بالعاطفة وحدها
ما يلفت في هذا الخروج ليس حجمه فحسب، بل نوعية الوعي الذي يحمله، الشعارات، الكلمات، والرسائل التي رفعتها الجماهير عكست فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة، وإدراكًا لتشابك مسارات الصراع. لقد جاءت الاستجابة لدعوة غزة بوصفها التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا، مبنيًا على قراءة واعية للواقع، لا اندفاعًا انفعاليًا مؤقتًا.
ثباتٌ يتكرّس واستعدادٌ يتجدد
أبرز ما ميّز المشهد هو إعلان الثبات بلا تردد، والاستعداد الواضح لكل الاستحقاقات القادمة. هذا الثبات لم يعد شعارًا، بل ممارسة متراكمة أثبتت قدرتها على الاستمرار تحت مختلف الظروف. وفي رسائل مباشرة وغير مباشرة، أكدت الجماهير جاهزيتها للجولة القادمة، أياً كانت تحدياتها، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التراجع لم يعد خيارًا، وأن كلفة الصمود—مهما عظمت—أقل من كلفة الصمت.
رسالة الداخل والخارج
داخليًا، يعكس هذا الخروج حالة تماسك مجتمعي حول قضية مركزية، ويؤكد أن الرأي العام اليمني بات أكثر نضجًا وقدرةً على فرض أولوياته. وخارجيًا، يبعث برسالة لا لبس فيها: اليمن حاضر في معادلة الصراع، بوعيه الشعبي قبل أي شيء، وأن محاولات عزل القضايا أو تفكيك المواقف لن تنجح أمام هذا المستوى من الالتفاف الجماهيري.
خاتمة
الخروج الجماهيري أمس، في ساحات اليمن لم يكن حدثًا عابرًا في روزنامة الأخبار، بل محطة دلالية تُسجّل في سياق التحولات الكبرى. هو إعلان موقف، وتجديد عهد، وتأكيد على أن نصرة غزة خيارٌ استراتيجيٌّ شعبيٌّ متجذر، وأن الجهوزية القادمة ليست تهديدًا لفظيًا، بل نتاج ثباتٍ طويل وصبرٍ واعٍ. وفي زمن تتبدّل فيه المواقف سريعًا، يثبت اليمنيون أن بعض الخيارات لا تخضع للمساومة، وأن الكرامة—حين تُختار—تُحمل حتى النهاية.
