تُعدّ إيران واحدة من الدول المحورية في منطقة الشرق الأوسط، لما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي يربط بين آسيا الوسطى، الخليج، وشبه الجزيرة العربية، ولتاريخها الحضاري العريق، وإمكاناتها البشرية والعلمية الكبيرة. وعلى الرغم من التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها، فإن إيران ما زالت قادرة على الصمود والحفاظ على سيادتها واستقلال قرارها الوطني، وهو ما جعلها هدفًا دائمًا لاستراتيجيات معقدة من قبل خصومها الإقليميين والدوليين.
مع ذلك، يثبت الرهان المتكرر على إسقاط الجمهورية الإسلامية من الخارج أنه رهان عقيم وفاشل قبل أن يبدأ، وينتج مشاريع ورقية تُصاغ في مكاتب الغرباء، وتُسوَّق إعلامياً قبل أن تلمس أي واقع على الأرض. هذه المشاريع لا تنبع من قراءة دقيقة للمجتمع الإيراني، ولا من فهم توازناته الداخلية، بل من تصورات نمطية متكلسة ترى إيران كفراغ سياسي جاهز لإعادة التشكيل، وكأن الدولة والمجتمع مجرد أوراق تُوزَّع على من يراهن على “البديل المناسب”.
المفارقة أن هذا الفشل ليس استثنائياً؛ فقد شهد العالم أمثلة صارخة على ذلك: العراق بعد الاحتلال، حيث قُسّمت الدولة إلى محافظات بلا سلطة مركزية، وفُرِّغت مؤسساتها، وعجز الاحتلال والقوى الخارجية عن بناء شرعية حقيقية، رغم كل الدساتير والخطط المرسومة في غرف المفاوضات؛ وفي ليبيا، حيث تحوّل الانقسام السياسي إلى حرب أهلية طويلة، وأصبحت كل الخرائط والدساتير المرسومة في الخارج ورقية قبل أن تتحول إلى واقع فعلي، وفشلت القوى الأجنبية في السيطرة على الشارع المحلي أو إنتاج أي نوع من الشرعية الدائمة.
وفي هذا السياق، تظهر إيران كاستثناء صارخ: الدولة والمجتمع متشابكان، المؤسسات متماسكة، والشعب حاضر وفاعل، وهو ما يجعل كل مشاريع الهيمنة الخارجية—من الدساتير الجاهزة إلى الحملات الإعلامية والحروب السيبرانية—محكومة بالفشل قبل أن تبدأ، وتكشف محدودية واشنطن وتل أبيب في قراءة الواقع الإيراني وفهم قوته الحقيقية.
المعطيات المرتبطة بما سُمّي «العملية الملك» لا تعبّر عن خطر فعلي يتهدد الدولة الإيرانية، بل تكشف وهم النخب المعارضة المصنَّعة في الخارج، وعجزها البنيوي عن فهم مجتمع لم يشهدوه، ولم يشاركوا في صراعاته، ولم يختبروا قوته أو إرادته. دستور جاهز، واجهات مدنية مصطنعة، واعترافات دولية مسبقة، كلها أدوات شكلية صممت لإرضاء واشنطن وتل أبيب أكثر من أن تخاطب طهران. فالشعب الإيراني ليس مجرد عقبة يمكن تجاوزها، بل طرف أساسي لا يمكن تجاوزه، ومن يعتقد أنه يستطيع إعادة هندسة الجمهورية الإسلامية من غرف مغلقة خارج إيران يقع في فخ وهمه الخاص.
وبهذا تصبح الخطوة التالية في المشروع الوهمي، وهي مسودة الدستور قبل أي تغيّر فعلي على الأرض، أكثر وضوحاً: ليست وثيقة وطنية، بل وسيلة لتطمين الرعاة الدوليين وإيهامهم بأن لديهم «خطة جاهزة» لإدارة إيران، في حين أن الواقع يقول إن من يريد التأثير في إيران، عليه أن يبدأ بالمجتمع الإيراني، لا بالمكاتب الإعلامية في نيويورك أو تل أبيب.
دستور بلا شعب… مشروع بلا شرعية
أخطر ما في هذا المخطط لم يكن أدواته الإعلامية، بل منطلقه الفكري. فإعداد مسودة دستور قبل أي تغيير فعلي على الأرض لا يعكس سذاجة سياسية، بل تعالياً صريحاً على المجتمع الإيراني.
الدستور، الذي يُفترض أن يكون ثمرة صراع اجتماعي وتوازنات داخلية، جرى تحويله إلى وثيقة طمأنة للقوى المعادية: ما مصير البرنامج النووي؟ أين موقع الحرس الثوري؟ كيف تُعاد صياغة العلاقات الإقليمية؟ ومتى يُفتح باب التطبيع؟
إنه دستور كُتب ليُقرأ في واشنطن وتل أبيب، لا في طهران أو مشهد أو تبريز. وبهذا المعنى، لم يكن الشعب الإيراني شريكاً في المشروع، بل عقبة يُفترض تجاوزها أو إخضاعها لاحقاً.
واجهات مدنية بلا امتداد داخلي
تقديم شخصيات قانونية وإعلامية بوصفها «رموز المرحلة الانتقالية» لا يغيّر من الحقيقة شيئاً: لا قاعدة اجتماعية، ولا تنظيم داخلي، ولا امتداد حقيقي داخل البلاد.
الرمز حلّ مكان السياسة، والصورة مكان المجتمع، والحملة الإعلامية عُوّض بها عن الغياب الشعبي.
وهذا النموذج ليس جديداً. لقد جُرّب من العراق إلى فنزويلا، وكانت نتيجته واحدة دائماً: معارضة صاخبة في الخارج، ومعزولة بالكامل في الداخل.
التطبيع مع الكيان الصهيوني… السقوط المبكر
إذا كان لهذا المشروع أن يُهزم مبكراً، فإنّ الإعلان العلني عن التواصل مع الكيان الصهيوني كان كفيلاً بذلك. ففي الوعي الإيراني، بمختلف أطيافه السياسية، يبقى هذا الكيان خطاً أحمر لا يمكن القفز فوقه بخطاب حقوقي مصطنع.
هذه الخطوة لم تمنح الأجهزة الأمنية الإيرانية فقط مادة دامغة، بل أعادت توحيد شرائح واسعة من المجتمع خلف الدولة، ورسّخت القناعة بأن ما يُحاك ليس تغييراً سياسياً، بل مشروع وصاية خارجية مكشوفة.
الحرب السيبرانية والدستور.. كشفا زيف المشاريع الورقية
الحرب السيبرانية المبالغ فيها ما هي إلا الوجه الأول لفشل مشروع «العملية الملك». الضجيج الإعلامي حول «جيش سيبراني» محدود الميزانية والقدرات لم يفلح في اختراق الواقع الإيراني، ولا في تهديد بنية الدولة الرقمية أو السياسية. هذا الفشل يكشف عن الطبيعة الورقية لكامل المشروع: كل ما رُسم في الخارج من خرائط، وكل ما أُعلِن عن قدرات «معارضة رقمية» لم يكن أكثر من واجهة وهمية، تهدف إلى تقديم صورة الانتصار قبل أي فعل، وإيهام واشنطن وتل أبيب بأنها قادرة على التحكم في إيران عن بُعد.
ومن هنا، يظهر التكامل الاستراتيجي مع الخطوة الأكثر دلالة في المشروع: إعداد مسودة دستور قبل أي تغيّر فعلي على الأرض. فإذا كانت الحرب السيبرانية ورقية بلا تأثير، فإن الدستور الجاهز يُعد الوجه المدني للزيف نفسه: وثيقة صممت لتطمين الخارج، لا لتحقيق أي توافق داخلي، ولا لتعكس إرادة الشعب الإيراني. فالدستور لم يكن نتاج حوار اجتماعي أو صراع سياسي داخلي، بل مشروع صيغ بعيداً عن الواقع الإيراني، تماماً كما صيغت الحملات السيبرانية المبالغ فيها في الخارج.
الدستور هنا ليس نصاً وطنياً، بل آلية لإيهام الرعاة الدوليين بأن هناك خطة جاهزة لإدارة إيران بعد إسقاطها المفترض، فيما الواقع يقول إن من يريد التأثير على إيران، لا يمكنه تخطي المجتمع الإيراني، ولا تجاوز إرادته، ولا فرض قواعده من المكاتب الإعلامية في واشنطن أو تل أبيب. أي محاولة للسيطرة على إيران عبر «جيش رقمي» أو «دستور جاهز» هي محاولة لإعادة هندسة الدولة من الخارج، ونتيجتها الطبيعية: الفشل قبل أن تبدأ، كما حدث في العراق وليبيا وفنزويلا، حيث سقطت المشاريع الورقية أمام قوة المجتمع الداخلي والشرعية الواقعية للدولة.
بعبارة أخرى، الفشل السيبراني يعكس هشاشة المشروع المدني المصنوع في الخارج، والدستور الجاهز يكشف التوازي بين وهم القدرة على اختراق إيران من الخارج عبر التكنولوجيا، ووهم القدرة على إعادة هندستها سياسياً عبر خطط جاهزة مسبقاً. وكل من يراهن على الخارج، سواء عبر الحروب الرقمية أو المشاريع الدستورية، يكتشف سريعاً أن الجمهورية الإسلامية ليست ورقة يمكن تدويرها في غرف مغلقة، ولا منصة يمكن برمجتها عن بُعد، بل مجتمع حي، دولة متماسكة، وجبهة دفاعية متكاملة، تجعل كل محاولات الهيمنة أو التغيير الخارجي محكومة بالفشل قبل أن تبدأ.
وهنا يتضح السبب وراء خطوة الدستور أولاً: فهو لم يُصمّم لتلبية احتياجات الشعب الإيراني، بل كأداة طمأنة للغرب، ليقولوا لأنفسهم: «لدينا خطة جاهزة لإدارة إيران بعد إسقاطها». لكن هذا الوهم انهار أمام الحقائق الميدانية والإستراتيجية: المجتمع الإيراني لم يتغير، الدولة لم تضعف، والخصوم الخارجيون كشفوا هشاشتهم في الفضاء الرقمي والسياسي على حد سواء.
تراجع العدوان… وانكشاف حدود القوة
في هذا السياق، جاء تراجع الإدارة الأميركية عن توجيه ضربة عسكرية لإيران ليؤكد حقيقة أساسية: واشنطن وتل أبيب أدركتا أن كلفة العدوان تفوق بكثير أي مكسب متوهَّم.
لم يكن القرار أخلاقياً ولا إنسانياً، بل قرار عجز أمام دولة تمتلك الإرادة والقدرة والاستعداد للدفاع عن سيادتها.
فالولايات المتحدة، المعتادة على شنّ الحروب ضد دول منهكة أو منقسمة، اصطدمت هذه المرة بدولة متماسكة، ونظام متجذر في مجتمعه، وقوة ردع حقيقية.
الكيان الصهيوني… الحلقة الأضعف
التجارب الأخيرة أكدت أن الكيان الصهيوني لم يعد يتمتع بتلك الحصانة التي روّج لها طويلاً.
العمق بات مكشوفاً، ومنظومات الدفاع أثبتت محدوديتها، والجبهة الداخلية غير قادرة على تحمّل حرب طويلة. لذلك لم يكن مستغرباً أن تكون تل أبيب في مقدمة الداعين إلى وقف العدوان، بعدما تبيّن أن الرد الإيراني لن يكون رمزياً، بل رداً يهدد أسس الأمن الصهيوني نفسه.
سقوط وهم الردع
ما جرى شكّل ضربة مباشرة لمفهوم الردع الأميركي–الصهيوني. فالجمهورية الإسلامية، عبر وضوح موقفها وتماسك جبهتها الداخلية، أثبتت أن التهديد لم يعد أداة فعالة، وأن منطق الإملاء بالقوة فقد صلاحيته أمام دول تمتلك عناصر القوة الشاملة: العسكرية، والشعبية، والعقائدية. وهذه هي المعادلة الجديدة في المنطقة “من يهدد إيران، عليه أن يكون مستعداً لدفع الثمن كاملاً”.
