إيران لن تنهار…

ريما فارس

 

 

لم يكن ما طفا إلى السطح في المشهد الإيراني وليد لحظة غضب عابرة ولا انعكاساً تلقائياً لأزمة داخلية، بل جاء ضمن مسار طويل من الاستهداف المنهجي الذي تتعرّض له الجمهورية الإسلامية. في هذا السياق، بدا موقف سماحة الإمام السيد علي الخامنئي بمثابة إعادة رسم للصورة الكاملة: ما يحدث ليس منفصلاً عن صراع مفتوح تخوضه إيران مع منظومة الهيمنة الغربية، تتقدّمها الولايات المتحدة، وتُنفّذها “إسرائيل” كأداة متقدمة على أرض المنطقة.
المرشد، في قراءته، لم يفصل الداخل عن الخارج، ولم يختزل المشهد في مطالب أو تحركات، بل وضعه ضمن استراتيجية ضغط متراكمة، هدفها إنهاك الدولة من داخلها بعد الفشل المتكرر في إخضاعها عبر العقوبات، والحصار، والاغتيالات، والحروب بالوكالة. فالخصم، بعدما عجز عن كسر إرادة إيران من الخارج، حاول النفاذ إلى نسيجها الاجتماعي، وضرب الثقة بين الشعب ومؤسساته.
من هنا، جاء تركيز الخطاب على الحرب النفسية والإعلامية، حيث سعت الآلة الغربية إلى تضخيم الوقائع وتهويلها، ليس بدافع الحرص على الشعب الإيراني، بل لبناء سردية انهيار، وتصوير دولة مترنّحة على شفير السقوط. لم يكن الرهان على إصلاح ولا على حقوق، بل على تحويل أيّ حركة إلى كرة ثلج تتدحرج نحو الفوضى، وتُسحب إيران من موقعها المركزي في معادلة الإقليم.
لكن الرهان خاب. فالمجتمع الإيراني، الذي راكم تجربة طويلة في مواجهة الضغوط، لم يقع في الفخ. ميّز بين الاعتراض المشروع وبين الاستثمار الخارجي فيه، وفهم أنّ البديل عن دولته ليس “الحرية” كما تُسوّق واشنطن، بل سيناريوهات الخراب التي عرفتها شعوب أُخرى حين فُتحت أبوابها للتدخّل الأجنبي.
الموقف الرسمي الإيراني، كما عكسه خطاب المرشد، لم يتّجه نحو التصعيد الأعمى، ولا نحو التفريط. كان هناك ضبط للإيقاع، واحتواء مدروس، وإدارة للأزمة تمنع انزلاق البلاد إلى المواجهة المفتوحة التي يسعى إليها الخصم. حزمٌ يحمي الاستقرار، من دون أن يتحوّل إلى قطيعة مع المجتمع، أو استجابة لشروط الخارج.
في الجوهر، أعاد الخطاب تثبيت معادلة واضحة: إيران لا تقيس صمودها بمدى قبول الغرب لها، ولا تنتظر شهادات حسن سلوك من عواصم اعتادت التآمر عليها. استقلال القرار، والكرامة الوطنية، ودعم قضايا المنطقة، عناصر لا تخضع للمساومة، وأي تراجع عنها لن يخفّف الضغوط، بل سيزيدها.
هكذا، لم يكن الموقف إعلان أزمة، بل تجديد ثقة بالقدرة على الصمود. دولة تعرف حجم الاستهداف، وتدرك أنّ المواجهة مستمرة، لكنها أيضاً واثقة بأنّ أدوات الخصم، مهما تنوّعت، ستبقى عاجزة عن إسقاطها. في معركة الوعي قبل الشارع، اختارت إيران أن تحمي مجتمعها من الفتنة، وأن تبقى واقفة في وجه مشروع لم يعرف يوماً سوى لغة الهيمنة…

قد يعجبك ايضا