منذ اللحظة الأولى لتوليه الرئاسة الأمريكية، لم يتوقف الرئيس دونالد ترامب عن استخدام التهديد بالرسوم الجمركية كسلاح رئيسي في سياسته الاقتصادية والدبلوماسية. لم يعد هذا مجرد أسلوب لحماية الاقتصاد الداخلي أو للضغط على منافسين، بل أصبح أداة استراتيجية لتوسيع النفوذ، ولتهديد الدول سواء كانت حلفاء تقليديين للولايات المتحدة أو خصومها المباشرين.
ترامب اتخذ من الرسوم الجمركية وسيلة للضغط المباشر على كل من يحاول اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة، سواء في آسيا، أوروبا، أو حتى أمريكا الشمالية نفسها. كان آخر هذه التهديدات مع كندا، حيث أعلن ترامب أنه إذا أبرمت أي صفقة تجارية مع الصين، فسيفرض فورًا رسومًا جمركية بنسبة 100% على جميع السلع والمنتجات الكندية. هذا التصريح ليس مجرد تهديد تجاري، بل رسالة واضحة لكل دولة: أي استقلال اقتصادي أو سياسي خارج إرادة واشنطن سيواجه العقاب الفوري، سواء كان الطرف صديقًا أو خصمًا.
سياسة ترامب الجمركية لم تكن عشوائية، بل جزء من استراتيجية متكاملة تعتمد على تحويل التجارة إلى ساحة صراع سياسي وجيوستراتيجي. منذ بداية رئاسته، فرض تعريفات جمركية عالية على الصين والمكسيك والاتحاد الأوروبي، ما تسبب في اضطرابات كبيرة بسلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار المستهلكين، وزيادة الضغوط على الشركات التي تعتمد على التصدير والاستيراد. أما على المستوى الداخلي، فقد استخدم ترامب هذه السياسة كأداة لحشد الدعم الشعبي من خلال خطاب حماية العمال الأمريكيين والأسواق المحلية، بينما على المستوى الخارجي أصبحت كل دولة، حليفًا أو عدوًا، تحت طائلة الابتزاز الاقتصادي.
ما يثير القلق هو أن هذه الإجراءات ليست مجرد نزاع تجاري عابر، بل مؤشرات واضحة على تراجع النفوذ الأمريكي المنظم، وبداية انهيار منظومة الهيمنة الأمريكية التي سادت العالم لعقود. فكل تهديد بفرض رسوم جمركية ضخمة على دولة صناعية مثل كندا، أو على الاتحاد الأوروبي، يفضح هشاشة النظام الاقتصادي الأمريكي الذي يعتمد على شبكة معقدة من التحالفات التجارية والعسكرية. بدلاً من إدارة النفوذ بالقوة الناعمة والدبلوماسية، لجأت واشنطن إلى الابتزاز والتهديد المباشر، وهو أسلوب يظهر محدودية القدرة على التأثير التقليدي ويكشف عن بداية تآكل مكانتها في العالم.
تداعيات هذه الحروب الجمركية على الاقتصاد العالمي هائلة. فرض رسوم بنسبة 100% على كندا سيؤدي إلى خسائر فادحة للقطاع الصناعي والزراعي والخدمي، وارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، وزعزعة استقرار سلاسل الإمداد التي تعتمد على التكامل بين الدول. كما أن هذه السياسة ترسل تحذيرًا واضحًا لكل دولة: أي شراكة تجارية مستقلة مع منافسين محتملين للولايات المتحدة قد تُعرّضها لعقوبات اقتصادية فورية.
الاستراتيجية الأمريكية تحت قيادة ترامب تؤكد أن الاقتصاد أصبح ساحة صراع بحد ذاته، لا تقل خطورة عن ساحات الحروب التقليدية. فبدلاً من القوة العسكرية وحدها، أصبحت الرسوم الجمركية والتهديدات الاقتصادية أدوات ضغط فعالة، تكشف عن تراجع القدرة الأمريكية على القيادة الاقتصادية والدبلوماسية التقليدية، وبداية تصدع منظومة الهيمنة التي كانت تطبق معاييرها على كل الأسواق العالمية.
إن ما نشهده اليوم من تصاعد حروب الجمارك يحمل رسالة أساسية: الولايات المتحدة لم تعد تمتلك القدرة على قيادة الاقتصاد العالمي بالطريقة السابقة، وأن سياسات الابتزاز والتهديد الجمركي قد تكون بداية واضحة لتراجع نفوذها. وإذا استمرت هذه السياسات، فالعالم سيشهد إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية، وتراجع قدرة واشنطن على فرض إرادتها، وهو ما يضع نهاية لمسار الهيمنة الأمريكية الذي دام لعقود.
ويبقى السؤال الكبير: هل حقًا تمثل فترة ترامب بداية نهاية الإمبراطورية الأمريكية، أم أنها مجرد مرحلة في صراع مستمر للسيطرة على النظام العالمي؟
