حين يتحول الصراع إلى اختبار للوعي والمسؤولية

شاهر احمد عمير

 

 

لم يعد من الممكن في ضوء التحولات المتسارعة وتكشّف الوقائع، التعامل مع الصراع القائم اليوم بوصفه نزاعًا سياسيًا تقليديًا أو صراع نفوذ بين أطراف إقليمية ودولية، فهذه القراءة السطحية لم تعد قادرة على تفسير حجم الاستهداف، ولا طبيعة الأدوات المستخدمة، ولا عمق الاصطفافات التي تتشكّل حوله. إن اختزال المشهد في ثنائية إيران والغرب ليس سوى تبسيط مخلّ، يخدم بقصد أو بغير قصد عملية التعمية على جوهر المعركة، لأن ما يجري في حقيقته أوسع وأعمق من حدود الجغرافيا والسياسة، وأخطر من مجرد تنازع على مصالح أو مناطق نفوذ. نحن أمام صراع بنيوي يمس الهوية، ويستهدف منظومة القيم، ويعيد طرح السؤال الجوهري حول موقع الإسلام في معادلة القوة العالمية.
فالمشروع الأمريكي والغربي، كما أثبتت التجربة التاريخية الحديثة، لا يتعامل مع الإسلام بوصفه دينًا روحيًا معزولًا عن الواقع، بل بوصفه إطارًا حضاريًا قادرًا على إنتاج موقف مستقل، ومنظومة قيم تناقض منطق الهيمنة والاستتباع. ولذلك فإن كل تجربة ترفع شعار الاستقلال، أو ترفض الخضوع للإملاءات الأمريكية والغربية، أو تحاول إعادة الاعتبار لمفهوم السيادة والكرامة، تُواجَه بالحصار والتشويه والاستهداف، بل وبالقتل المباشر كما شهد العالم في غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران، بغضّ النظر عن انتمائها القومي أو المذهبي. هنا تتضح طبيعة الصراع بوصفه صراعًا بين منطقين متناقضين: منطق يسعى إلى إخضاع الحق لموازين القوة، ومنطق يستمد قوته من الحق ذاته، في معركة تتجاوز السياسة إلى كونها مواجهة بين الحق والباطل.
إن أخطر ما في هذه المرحلة هو السعي المنهجي لتفريغ الصراع من مضمونه العقدي والأخلاقي، وتحويله إلى مجرد خلاف سياسي قابل للتسوية في أي لحظة. هذا الخطاب، الذي يتسلل أحيانًا تحت عناوين الواقعية والعقلانية، يسعى عمليًا إلى نزع البعد القيمي عن الموقف، وإقناع الأمة بأن الصراع لا يستحق هذا القدر من التضحية أو الوضوح. غير أن الوقائع الميدانية والسياسية تؤكد أن الاستهداف لا يطال دولة بعينها، بل يطال كل من يرفض الانخراط في منظومة الطاعة، وكل من يصر على أن يكون قراره نابعًا من إرادته الحرة لا مفروضًا عليه من الخارج.
في هذا السياق، يصبح الحياد وهمًا أخلاقيًا لا موقفًا عقلانيًا. فالحياد في معركة تتعلق بالحق والباطل ليس إلا انحيازًا مقنّعًا للطرف الأقوى، لأنه يعفي صاحبه من كلفة الموقف، ويمنحه شعورًا زائفًا بالسلامة. ومن هنا جاء التحذير القرآني حاسمًا بقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، حيث تتجلى المسؤولية لا بوصفها مسؤولية قول أو تبرير، بل مسؤولية موقف ووعي واختيار في لحظة الفرز الكبرى. إنها آية تختصر حقيقة المشهد، وتؤكد أن السكوت كما الفعل محسوب، وأن التردد كما الانخراط له تبعاته التي لا يمكن الهروب منها.
إن المعركة اليوم هي معركة وعي بامتياز، يُعاد فيها تعريف المفاهيم، وتُختبر فيها صدقية الانتماء. فالإسلام في جوهره ليس شعارًا يُرفع في أوقات الطمأنينة، بل التزامًا يُحمل في أوقات الشدة. ومن هنا فإن أي خطاب يفصل بين الإيمان والواقع السياسي، أو يحصر الدين في دائرة الطقوس، إنما يفرّغ الإسلام من وظيفته التاريخية، ويحوّله إلى عنصر حيادي لا يزعج منظومات الظلم. بينما الحقيقة الثابتة أن الإسلام كان ولا يزال مشروع تحرر شامل، يربط بين العقيدة والعدل، وبين التوحيد ورفض الطغيان.
وفي خضم هذا المشهد، تتأكد حقيقة أن الموقف ليس نتاج اندفاع عاطفي، بل ثمرة وعي عميق بطبيعة الطريق وكلفته. فالرجوع عن خيار الحق ليس مسألة ظرفية أو تكتيكية، بل سقوط في منطق المساومة الذي تحاول منظومات الهيمنة فرضه عبر الترهيب أو الإغراء. إن جوهر الصراع يكمن في محاولة كسر إرادة الثبات، وتشويش البوصلة، وتحويل القناعة إلى عبء، والموقف إلى تهمة، والالتزام إلى مغامرة غير محسوبة.
وما يميّز هذه المرحلة على نحو خاص أن الصراع لم يعد يدور فقط في ميادين القتال، بل امتد إلى العقول والضمائر، وإلى معركة المفاهيم واللغة. فعندما يُعاد تعريف الكفر بوصفه مجرد اختلاف حضاري، ويُصوَّر الإسلام المقاوم على أنه تطرف، نكون أمام معركة وعي لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية. ومن هنا تبرز أهمية الخطاب المسؤول الذي يربط بين التحليل السياسي والمرجعية القيمية، دون انزلاق إلى التبسيط أو المزايدة.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي الذي تفرضه هذه المرحلة ليس من المنتصر عسكريًا، ولا من الأقوى اقتصاديًا، بل من الثابت على موقفه، ومن القادر على تحمّل تبعات خياره. فالمعركة، مهما طال أمدها، ستصل إلى نهايتها، لكن الذي سيبقى هو سجل المواقف، ومن أي صف كُتب اسم كل فرد، وكل نخبة، وكل أمة. وفي زمن الفرز الحاد، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: أين كنت حين كان الوقوف واجبًا، وحين كان الصمت خيانة للمعنى قبل أن يكون خيانة للموقف.

قد يعجبك ايضا