البلطجة الأمريكية… ماذا بعد فنزويلا؟

عبدالفتاح البنوس

 

 

افتتحت أمريكا ورئيسها السخيف دونالد ترامب العام الميلادي الجديد، بعدوان غاشم، وانتهاك سافر للسيادة الفنزويلية باستهداف العاصمة كاراكاس وقصف المنشآت المدنية، واعتقال رئيسها “نيكولاس مادورو” وزوجته، جريمة عدوان خطيرة، وعملية إرهابية أمريكية تضاف إلى سلسلة جرائم الاختطافات الأمريكية التي طالت رؤساء وأفرادًا وجماعات، والتي تأتي شاهد إثبات على السجل الدموي والإجرامي لهذه الدولة التي ظلت لعقود من الزمن تقدّم نفسها راعيةً للديمقراطية والحقوق والحريات على مستوى العالم.
في العام ١٩٨٩م أقدمت أمريكا على اختطاف رئيس بنما، وبعد سنوات وبالتحديد في العام ٢٠٠٤م أقدمت على اختطاف رئيس هاييتي، تحت ذرائع ومبررات واهية وغير منطقية، علاوةً على عمليات الاختطاف والاعتقال التي لم تتوقف حتى اليوم والتي تطال الأحرار في العالم الذين يقفون في وجه مشروعها الاستعماري التدميري على مستوى العالم وبالتحديد تلكم النخب السياسية والدينية والفكرية التي نجحت في تعرية وفضح أمريكا وكشفها على حقيقتها، وكشفت مخططاتها ومؤامراتها ومشاريعها التآمرية التدميرية الإجرامية الواسعة النطاق، وتقديمها للرأي العام العالمي بصورتها الحقيقية، وطبيعتها الإجرامية، ونهجها القمعي التسلطي، القائم على الغطرسة والعنجهية والعدائية المشبعة بالجرأة والوقاحة.
قبل أيام أطلق ترامب تحذيرات للسلطات الإيرانية بعدم استخدام العنف ضد المتظاهرين هناك وهدد بالتدخل في حال قيامها بذلك، وبعد ساعات قليلة يذهب لانتهاك سيادة دولة مستقلة لها ثقلها في القارة الأمريكية والعالم وشن عدوان غادر عليها، والذهاب لاختطاف رئيسها وزوجته، واقتيادهما بطريقة مذلة ومهينة إلى بلده، ويتفاخر بنشر الصور التي تظهر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مقيدًا بكلتا يديه محاطًا بجنود أمريكيين، وتبرير ذلك بمبررات سخيفة مثله، ضاربًا بالقانون الدولي والمواثيق والأعراف والقوانين الدولية عرض الحائط، معلنًا نفسه فرعونَ عصره بلا منازع، وسط حالة من الصمت المريب من قبل العالم والمجتمع الدولي وكأن ترامب لا سلطة عليه، ومن حقه أن يمارس ما يشاء بحرية مطلقة.
غوتيريش يشعر بالقلق، والصين تشعر بصدمة، وروسيا قالت إنه إذا ثبت أن أمريكا قامت باختطاف مادورو فهذا انتهاك غير مقبول، وبقية الدول لزمت الصمت، مع صدور بعض البيانات من بعضها على استحياء، والكل في حالة رعب من (البعبع الأمريكي) ترامب والمشاهد الهوليوودية التي نشرها الإعلام الأمريكي لما أسماها لحظات اعتقال مادورو في قصره، والتي تظهر أنها محاولة بائسة لإحاطة القوات الأمريكية بحالة من العظمة والقوة والتغطية على الخيانة الداخلية التي سهّلت للأمريكيين المهمة، ومكّنتهم من استلام مادورو بعد إلقاء القبض عليه، وكل ذلك ليدب الرعب في أوساط قادة العالم، ويعلنوا الولاء والسمع والطاعة لترامب، ويعترفوا بزعامته للعالم، والتسليم له ولكل ما يصدر عنه، بمعنى أن يتحول الجميع إلى عبيد أذلاء، يتسابقون على كسب وده ورضاه.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا لو أقدمت الصين على اختطاف الرئيس التايواني واقتادته إلى بكين؟!! وماذا لو أقدمت روسيا على اختطاف الرئيس الأوكراني ونقله إلى موسكو؟!! هل سيكون الموقف الدولي والعالمي هو ذات الموقف الذي أعقب الاعتداء الأمريكي على فنزويلا واختطاف رئيسها وزوجته؟! هل كان ترامب سيسكت عن الصين وروسيا؟!! بالتأكيد لا، وستقوم الدنيا ولا تقعد، وستتسابق الدول على إصدار البيانات وسيعقد مجلس الأمن ويعلن حلف الناتو الحرب على روسيا والصين، وقد يذهب العالم نحو حرب عالمية ثالثة.
من الحماقة والغباء أن يسكت الجميع تجاه سياسة البلطجة الأمريكية التي تتمادى وتتسع، رغم أن الوقائع والأحداث تؤكد لنا أنه لا عهد و لا أمان للأمريكي، وأن سياسة الخداع والتخدير السياسي التي يتبعها غير مأمونة التداعيات والمخاطر، يريد ترامب أن يقول للعالم (أنا فرعون عصري ولا سلطة لأحد فوق سلطتي ولا صوت يعلو على صوتي، العالم كله طوع أمري ورهن إشارتي، ولكم في مادورو العظة والعبرة) وهذا والله لهو مؤشر على جنون العظمة الذي يعتري هذا المسخ، والذي يقود العالم نحو دوامة لا أول لها ولا آخر، وإذا لم يجد من يردعه، ويوقفه عند حده، فإن سياسة البلطجة والاستباحة التي مارسها بحق فنزويلا ورئيسها ستتكرر في أكثر من دولة.
خلاصة الخلاصة: بلطجة ترامب لن توقفها البيانات ولا المسيرات والمظاهرات والخطابات، بلطجة ترامب تتطلب مواقف أكثر جرأةً وشجاعة، تحتاج إلى خطوات وقرارات جادة ومسؤولة من كل دول العالم، إذا ما أرادت تجنب ما حصل لفنزويلا، يجب أن يدرك الجميع أنهم في دائرة الاستهداف الأمريكي، والخطوة المؤثرة والقرار الصائب في هذا الجانب، يتمثل في فرض العزلة على أمريكا، من خلال تعليق العلاقات الدبلوماسية معها، واتخاذ موقف موحد مناهض لبلطجتها المستقبحة والتي وصلت إلى حدود ومستويات لا تطاق.. والعاقبة للمتقين.

قد يعجبك ايضا