بعد الأيام الأولى من العملية الإرهابية التي تنفذها أمريكا وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية، ذهب أكثر إن لم يكن جميع التحليلات واستخلاصات المراقبين وقُرّاء مشهد المواجهة الدائرة، في اتجاه التأكيد أن الإمبراطورية الأمريكية الوهمية تخسر مرة، لتضيف إلى تاريخها نكسة جديدة في المنطقة العربية والإسلامية.
خروج المراقبون والخبراء بهذه القناعة إنما ولّده واقع الظهور الإيراني بقوة أكثر إيلاما عما كانت عليه في حرب الـ (12) يوماً، في الكم والكيف، وفي ظهور الأجيال الجديدة من الصواريخ التي تخشاها أمريكا وإسرائيل ولأجل تدميرها شنتا عمليتهما الإرهابية ضدها.
في البدء أكد التحرك العدواني، حاجة غطرسة العصابات الأمريكية والإسرائيلية لاستعادة الهيبة وهالة الحضور في المنطقة، إلا أن ذلك بقي هدفا موازيا -في الظل- فيما الرغبة ما تزال تتجه إلى التخلص من النظام الإسلامي، الذي اثبت إصرارا وثباتا على حق الاستقلال من كل أشكال الهيمنة الغربية، سياسية، اقتصادية، عسكرية. والثبات على عدم تمكين العدو من حيازة أي ورقة ضغط وابتزاز تلوي بها عنقه كما هو الحال مع كثير من أنظمة العالم.
المراقبون الذين تداولوا الحديث بإسهاب عن هدف العملية الإرهابية بإسقاط النظام لم يجدوا في الأداء الأمريكي الإسرائيلي ما يرتقي لمستوى تحقيقه، أو لنقُل إن هذا الأداء قد تضاءل أمام موجات الجيش الإسلامي الدفاعية.
فمع أول موجة دفاعية هجومية تقلصت فرص الاقتراب من الهدف «الوهمي»، وتحول الإرهابي الأمريكي والإسرائيلي إلى حالة الدفاع عن مرماهما من التسديدات الإيرانية، ومثّل هذا التراجع نقطة أخرى تضاف لرصيد الجمهورية الإسلامية.
النقطة الأخرى وهي الأهم، أن المنظومات الدفاعية ذات الطبقات المتعددة التي «أوجعت» رأس العالم بالترويج لها، بدت مجرد خدعة لا مكان لها من الأعراب.
ومع أن هذه الحقيقة قد لمسها العالم قبل ذلك بقليل، وتحديدا خلال المواجهة مع القوات المسلحة اليمنية، حين عاشت بحرية واشنطن اسوأ نكساتها التاريخية، إلا أن محاولة الترميم واستعادة الأنفاس التي عملوا عليها خلال ما بعد وقف إطلاق النار في غزة، كشفت عن غباء جهابذة العمل العسكري الأمريكي في «التقدير»، سواء لجهة القدرات الذاتية، أو قدرات الطرف الآخر.
فأكد هذا التحضير وتكثيف الإجراءات التي لم تنجح في إيصال المعتوه «ترامب» إلى هدفه، أن واشنطن راهنت على إحداث الرعب وترهيب الإيرانيين، بما رافق عملية التحضير من تهويل إعلامي للتحشيد، وتصريحات عن إدخال أسلحة نوعية كالطائرة الشبحية، بالتزامن مع التصريحات «المتشنجة»، التي كان يطلقها «ترامب» و»نتنياهو» عن «نسف» و»إنهاء» «محو».
وفرضت تسعة أيام من موجات القوات الإسلامية على تحليلات المراقبين، الخروج من حالة التذبذب في توصيف الأحداث كما هي إلى حالة اليقين بأن أمريكا تقامر فعلا بما بقي لها من قوة حضور.
وأنها تبدو اليوم كعجوز منهكة تقاتل بسلاح قديم وثقافة قديمة.
لم يتحدث المراقبون عن نجاح أمريكي في تحقيق هدف استراتيجي واحد، رغم مئات الغارات ومئات الأهداف وما يجري ليس أكثر من تدمير بلد إسلامي وقتل شعبه، وحتى اغتيال «المرشد»، لم يحقق للمختلّ الأمريكي» ترامب» الإنجاز الذي يمكنه المفاخرة به أمام «بايدن».
