الثورة / هاشم السريحي
في وقت تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، وتتحول الأدوات الذكية تدريجيًا إلى جزء من أدوات العمل الصحفي، تكشف دراسة ميدانية عن اتجاه إيجابي لدى الصحفيين الاستقصائيين اليمنيين نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في إنجاز التحقيقات الصحفية، لكنها في الوقت ذاته ترصد محدودية الخبرة العملية وغياب التدريب المتخصص بوصفهما من أبرز التحديات التي تعيق الاستفادة من هذه التقنية.
الدراسة، التي أعدتها د. سحر محمد أحمد علي- أستاذ مساعد بكلية الإعلام في جامعة عدن، هدفت إلى التعرف على اتجاهات الصحفيين الاستقصائيين اليمنيين نحو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنجاز موادهم الاستقصائية، واعتمدت المنهج المسحي والاستبانة الإلكترونية أداة لجمع البيانات من عينة بلغت 30 صحفيًا وصحفية من العاملين في مجال الصحافة الاستقصائية.
استخدام حاضر.. لكنه ما يزال في بداياته
تكشف الدراسة أن 57 % من أفراد العينة استخدموا الذكاء الاصطناعي في إنتاج مواد استقصائية، مقابل 43 % لم يستخدموه، ما يشير إلى أن التقنية بدأت تجد طريقها إلى العمل الاستقصائي اليمني، وإن كان استخدامها لا يزال محدودًا نسبيًا.
ولم يكن الاستخدام مكثفًا لدى الصحفيين الذين استعانوا بهذه الأدوات؛ إذ أفاد 53 % منهم بأن درجة اعتمادهم على الذكاء الاصطناعي متوسطة، بينما وصفها 47 % بأنها منخفضة، في حين لم يسجل أي من أفراد العينة اعتمادًا بدرجة كبيرة. وتربط الباحثة ذلك بحداثة استخدام التقنية في الصحافة الاستقصائية اليمنية.
وتعزز ذلك بيانات مدة الاستخدام؛ إذ أن 65 % من مستخدمي الذكاء الاصطناعي بدأوا استخدامه منذ عدة أشهر إلى عام واحد، بينما تراوحت مدة الاستخدام لدى 35 % بين عامين وخمسة أعوام.
معرفة متوسطة.. وحاجة واضحة إلى التدريب
تعكس مستويات المعرفة بالتطبيقات الذكية حالة من عدم التعمق؛ فقد بلغت نسبة أصحاب المعرفة المتوسطة 50 %، فيما بلغت المعرفة البسيطة 43 %، ولم تتجاوز المعرفة المرتفعة 7 % من أفراد العينة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن انتشار استخدام الأدوات لا يعني بالضرورة امتلاك مهارات متقدمة في توظيفها، وهو ما يفسر جانبًا من محدودية الاعتماد عليها في التحقيقات الاستقصائية.
البحث عن المعلومات يتصدر الاستخدام
تظهر الدراسة أن الصحفيين الاستقصائيين اليمنيين يوظفون الذكاء الاصطناعي بالدرجة الأولى في البحث عن المعلومات والبيانات، بمتوسط حسابي بلغ 3.41، ليحتل المرتبة الأولى بين أشكال الاستخدام.
وجاء بعد ذلك التحقق من صحة المعلومات والبيانات بمتوسط 3.11، ثم البحث عن المصادر الموثوقة بمتوسط 2.60، وتحليل البيانات تمهيدًا للتحقيق بمتوسط 2.52، فيما جاء اقتراح موضوعات التحقيق في مرتبة أدنى.
أما الأدوات الأكثر استخدامًا، فجاء ChatGPT في المقدمة بنسبة 19 % من إجابات الاستخدام، يليه Gemini بنسبة 17 %، ثم Bing بنسبة 15 %، إلى جانب مجموعة أخرى من التطبيقات المتخصصة. وتذكر الدراسة من بينها أدوات للتحقق من الصور والفيديو والمصادر وتحليل البيانات، مثل InVID وRevEye وDataSearch وTableau وPalantir وClarifai.
وفي المقابل، يبدو حضور الذكاء الاصطناعي أكثر محدودية في تحرير المادة الصحفية وتوزيع المحتوى بعد إنتاجه؛ إذ بلغت نسبة الذين لا يستخدمونه في المساعدة على تحرير النصوص والمواد المرئية والبيانات 47 %، والنسبة نفسها تقريبًا في المساعدة على تحسين توزيع المحتوى.
رضا نسبي عن التجربة
وعلى الرغم من محدودية الاستخدام، أظهرت النتائج مستوى رضا إيجابيًا نسبيًا بين مستخدمي الذكاء الاصطناعي؛ إذ قال 70 % منهم إنهم راضون إلى حد ما عن مستوى توظيف التقنية في إنتاج المواد الاستقصائية، بينما بلغت نسبة الرضا التام 6 %، مقابل 12 % لا يملكون رأيًا و12 % غير راضين.
وترى الدراسة أن هذا الرضا قد يرتبط بما توفره الأدوات الذكية من إمكانات تقنية وعملية، ولا سيما بالنسبة للصحفيين الذين يعملون بصورة مستقلة.
الصحفيون يريدون التدريب
أبرز ما تكشفه الدراسة أن الاتجاه العام للصحفيين الاستقصائيين نحو استخدام الذكاء الاصطناعي إيجابي. فقد حصلت العبارة المتعلقة بضرورة تدريب الصحفيين الاستقصائيين على كيفية استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي على أعلى متوسط حسابي، بلغ 2.86، وهو ما يعكس رغبة واضحة في اكتساب المهارات اللازمة للتعامل مع الأدوات الذكية.
كما حصلت عبارة ضرورة تعلم الصحفي كيفية التعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة وفاعلية المواد الاستقصائية على متوسط 2.70، فيما حصلت الدعوة إلى الاستفادة من التطبيقات أثناء إنجاز المواد الاستقصائية على متوسط 2.56.
وفي المقابل، لم يتعامل الصحفيون مع الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلًا عن الصحفي؛ فقد حصلت العبارة التي تفيد بأن الاعتماد عليه يلغي أهمية دور الصحفي على استجابة منخفضة، بمتوسط 1.86، كما رفضت العينة بدرجة واضحة فكرة أن التحقيق الاستقصائي لا يمكن إنجازه دون الذكاء الاصطناعي، بمتوسط 1.23.
ميزة أساسية.. تسهيل البحث والتحليل
وعند قياس الآثار الإيجابية والسلبية، برزت أهم فائدة للذكاء الاصطناعي في نظر الصحفيين الاستقصائيين في تسهيل عمليتي البحث والتحليل، بمتوسط حسابي بلغ 2.56.
كما أشار الصحفيون إلى دوره في توفير الجهد والوقت أثناء التعامل مع المعلومات والبيانات، بمتوسط 2.33.
لكن الصورة ليست إيجابية بالكامل؛ إذ أبدى الصحفيون مخاوف من أن يؤثر الذكاء الاصطناعي سلبًا في القدرة على التفكير النقدي لدى الصحفي الاستقصائي، وحصل هذا الجانب على متوسط 2.40، ليأتي في مقدمة التأثيرات السلبية.
كما ظهرت مخاوف بشأن إمكانية المساهمة في نشر معلومات مضللة، وظهور التحيزات في النتائج، فضلًا عن التكلفة المالية لبعض التطبيقات.
التدريب والبنية الرقمية.. عقدة الاستخدام
إذا كانت الرغبة في استخدام الذكاء الاصطناعي موجودة، فإن المشكلة الأكبر تكمن في القدرة على استخدامه بكفاءة. فقد جاء ضعف التدريب على استخدام التقنيات والذكاء الاصطناعي في المرتبة الأولى بين المعوقات، بنسبة بلغت 93 %، وبمتوسط حسابي 2.9.
وجاء ضعف البنية التحتية الرقمية في اليمن ثانيًا بنسبة 86 %، فيما سجل عدم امتلاك الصحفيين مهارة استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي نسبة 90 %، وبلغت نسبة ضعف المعلومات والبيانات باللغة العربية مقارنة بالإنجليزية 86 %.
كما برز غياب ميثاق شرف صحفي يوضح الاستخدامات المسموحة للذكاء الاصطناعي بنسبة 60 %، وارتفاع التكلفة المالية لاستخدام التطبيقات بنسبة 57 %، فضلًا عن عدم اقتناع بعض الصحفيين بجدوى الاستفادة من هذه التقنيات.
مستقبل واعد رغم التحديات
ورغم هذه العقبات، تبدو النظرة المستقبلية أكثر تفاؤلًا؛ إذ يمتلك 47 % من الصحفيين الاستقصائيين رؤية إيجابية لمستقبل استخدام الذكاء الاصطناعي في اليمن، مقابل 33 % يحملون رؤية سلبية، و20 % لم تتضح لديهم رؤية محددة.
ويرى أصحاب الرؤية الإيجابية أن استخدام التقنية سيرتفع مستقبلًا بعد معالجة تحديات الاستخدام، وأنها يمكن أن تؤدي دورًا أكبر في تحسين جودة التحقيقات، والتحقق من المعلومات والبيانات، وكشف التضليل. كما أشاروا إلى أهمية إنشاء منصات يمنية متخصصة يمكن أن تسهم في تطوير هذا المجال.
خلاصة الدراسة
تكشف الدراسة عن مفارقة واضحة: الصحفي الاستقصائي اليمني لديه استعداد إيجابي تجاه الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يزال يستخدمه بصورة محدودة وبمعرفة متوسطة في الغالب.
فالذكاء الاصطناعي لم يتحول بعد إلى أداة أساسية في صناعة التحقيق الاستقصائي اليمني، لكنه بدأ يحجز موقعًا مهمًا، خصوصًا في البحث عن المعلومات والبيانات والتحقق منها وتحليلها.
وتشير النتائج، في المقابل، إلى أن الانتقال من الاستخدام المحدود إلى الاستخدام المهني الفاعل يتطلب معالجة ثلاث قضايا رئيسية: التدريب المتخصص، وتحسين البنية التحتية الرقمية، ورفع مهارات الصحفيين في التعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع وضع ضوابط مهنية وأخلاقية واضحة تضمن بقاء الصحفي في موقع المسؤولية عن المادة المنشورة.
وبذلك، لا تقدم الدراسة الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلًا عن الصحفي الاستقصائي، بل باعتباره أداة يمكن أن تعزز قدرته على البحث والتحليل والتحقق، شريطة أن يظل الحكم المهني والتفكير النقدي والتحقق البشري في صميم العملية الصحفية. وتؤكد نتائج الدراسة إجمالًا الاتجاه الإيجابي للصحفيين نحو استخدام التقنية، مع بقاء التدريب أبرز معوق أمام توسيع هذا الاستخدام.
