“الحرب ونقمة المال”

سامي عطا

 

 

كيف حوّل الثراء الفاحش حرب المملكة على اليمن إلى عبءٍ ثقيل؟

ثمة مفارقة تاريخية نادرة أن تتحوّل آلة الحرب التي صنعها المال إلى طوقٍ يخنق صانعها، وأن يُصبِح الغِنى الفاحش الذي كان سلاحاً للهيمنة، سبباً في العجز عن تحقيق النصر. فما بالنا بحربٍ استمرت سنوات، أنفقت فيها المملكة العربية السعودية مليارات الدولارات، وزوّدت جيوشها بأحدث ما أنتجته صناعة السلاح، لكنها في النهاية وجدت نفسها غارقة في مستنقع لا قرار له، وأثبتت الأيام أن الثراء وحده لا يكفي لصنع الانتصار، بل قد يتحوّل إلى عبء ثقيل حين يُستخدَم في غير محله.

المال الفاحش وسياسة تدمير الدولة

لم تكن حرب المملكة على اليمن مجرد تدخل عسكري طارئ، بل كانت مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد يستند إلى قوة مالية هائلة، هدفه الأساسي، كما يرى مراقبون، منع قيام دولة يمنية قوية ومستقلة قادرة على فرض سيادتها وحماية حدودها، وبالتالي تهديد المصالح الإقليمية للمملكة. وقد اعتمدت الرياض على ثرائها النفطي في تمويل هذا المشروع، فأنفقت الأموال الطائلة لدعم حلفائها المحليين وشراء ولاءاتهم، وكما يشير أحد المحللين، « أصبح المال النفطي نقمة على هذه الدول… يوظف للتآمر والجرائم «.

فالمملكة التي قدّمت نفسها كراعية لـ ( الشرعية ) في اليمن، سرعان ما انكشفت حقيقتها كقوة احتلال ومصدر للفساد المنظّم، وتشير تقارير إلى تحميل السعودية مسؤولية مباشرة في نهب الثروات اليمنية من نفط وذهب وغاز، والتحكم بمرافق الدولة كسلاح سياسي، وقطع الكهرباء والمياه والمرتبات في عدن والمحافظات الجنوبية. وهكذا أصبحت آلة الحرب والنهب هي الأداة التي تستخدمها المملكة لتثبيت هيمنتها، بدلاً من أي مشروع تنموي أو سياسي حقيقي.

انهيار القيم واقتصاد الارتزاق

لم تقتصر تداعيات هذه السياسة على الجانب السياسي والعسكري، بل امتدت إلى البنية الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع اليمني. فالفساد المستشري في مؤسسات ما يُعرف بـ « الشرعية « المدعومة سعودياً، والذي يصفه أحد الكتاب بأنه « عصابة الأكثر فساداً في المنطقة «، انعكس بشكل مباشر على الأفراد، فتحوّل كثير من اليمنيين في ظل الفقر المدقع والحصار الاقتصادي إلى سلعة تباع وتشترى في « مزادات الحروب العابرة للحدود «.

هذا التحوّل إلى اقتصاد الارتزاق لم يأتِ عفوياً، بل كان نتيجة هندسة متعمّدة للانهيار، تهدف إلى كسر إرادة أبناء اليمن وإيصالهم إلى حالة من اليأس، بحيث يصبح « خيار الارتزاق والانخراط في جبهات الموت السعودية هو سبيل البقاء الوحيد أمام آلاف الشباب «. فالمال السعودي، بدلاً من أن يكون أداة للتنمية والبناء، صار وسيلة لشراء الذمم واستقطاب المقاتلين من أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية، وتحويلهم إلى وقود رخيص في حروب لا نفع لهم فيها، وهو ما وصفته إحدى التحليلات بأنه « تحويل الإنسان اليمني إلى مجرد سلعة عسكرية «.

المال سلاح ذو حدين

وهنا تبرز المفارقة الأعظم ؛ فالمال الذي وظّفته المملكة لتحقيق أهدافها، تحوّل إلى عبء ثقيل عليها، فبعد أن أنفقت المليارات على تسليح وتدريب الميليشيات المحلية، وجدت نفسها أمام كيانات مسلّحة متناحرة لا تجمعها رؤية وطنية ولا ولاء حقيقي للسعودية، ناهيك غياب الولاء الوطني لبلدهم الأم، بل هي « عصابات وقطيع من المرتزقة « ليس لديها مشروع دولة، ولا تهمها مصلحة وطنهم بقدر ما تهمها المكاسب النفعية والجباية. وهذا التفتيت الممنهج للخارطة الأمنية والعسكرية في المحافظات الجنوبية والشرقية، لم يُضعف اليمن فقط، بل جعل من عدن مسرحاً للاغتيالات اليومية والاشتباكات المسلحة بين أجنحة المرتزقة المتصارعة على النفوذ، مما أضاع جهود المملكة وأفشل مشروعها.

ما بين نظرية النزعة الاستهلاكية واستحالة النصر

يمكننا استعارة مفهوم «النزعة الاستهلاكية» في تحليل الأثر الثقافي والاجتماعي لهذا الفساد الممنهج، فالمال السعودي خلق ثقافة استهلاكية في الأوساط التي خضعت لسيطرته، جعلت الأفراد يتعاملون مع الدولة والقيم الوطنية كسلع يمكن التفاوض عليها وبيعها لأعلى سعر. وهذا ما عبّر عنه أحد المحللين بقوله إن المال «أعمى بصر وبصيرة مسؤولي هذه الدول»، فغدوا يعتقدون أن كل شيء يمكن شراؤه، حتى النصر في الحرب.

لكن التاريخ يعلّمنا أن القيم والمعنويات لا تُشترى بالمال، وأن الشعوب التي تدرك حقيقة مصالحها لا تُستعبد بالثراء، وكما قال ألبرت أينشتاين: «لا يمكنك حل مشكلة باستخدام نفس العقلية التي أوجدتها «. فالمملكة التي راهنت على قوتها المالية لتحقيق نصر عسكري سريع في اليمن، وجدت نفسها بعد سنوات تواجه حقيقة مرة: فسادها الممنهج هو الذي حوّل حلفاءها إلى عبء عليها، وأفقدها القدرة على تحقيق أي انتصار حقيقي، بل جعله في النهاية مستحيلاً. وكما خلص أحد التحليلات، فالمملكة وحلفاؤها المحليون ليسوا «وسيطاً نزيهاً « ولا « حَكَماً معصوماً «، بل هم أطراف في الصراع لهم تاريخ طويل من التدخلات والمصالح المتشابكة التي تجاوزت مصالح الشعب اليمني.

إن تحوّل الثراء الفاحش إلى عبء على المملكة في حربها العدوانية على اليمن ليس مجرد نتيجة عسكرية، بل هو حصاد طبيعي لسياسة قامت على النهب والفساد وشراء الذمم بدلاً من بناء الدولة واحترام إرادة الشعوب. فالانتصار الحقيقي لا يُشترى، بل يُبنى على أسس من القيم والمبادئ، وهي القيم التي غابت تماماً عن المشهد اليمني تحت وطأة المال السعودي.

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا