دراسة بجامعة صنعاء:التكنولوجيا الرقمية تعزز تعلم اللغات.. وضعف الإنترنت أبرز العوائق
ضعف الإنترنت وصعوبة الوصول للمصادر المناسبة في صدارة تحديات التعلم الرقمي
الثورة / هاشم السريحي
كشفت دراسة أكاديمية حديثة بجامعة صنعاء أن دمج التكنولوجيا الرقمية في تعلم اللغات يوفر فرصًا واسعة لتعزيز التعلم الذاتي والتفاعلي، مع إسهام واضح للتطبيقات المحمولة والقواميس الإلكترونية والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مساعدة الطلبة على تطوير مهاراتهم اللغوية، في مقابل تحديات أبرزها ضعف الاتصال بالإنترنت وصعوبة اختيار المصادر المناسبة.
وهدفت الدراسة الموسومة «استكشاف دمج التكنولوجيا الرقمية في تعلم اللغات: رؤى من تجارب المستخدمين والتحديات التي يواجهونها» للباحثة فاتن محمد العليي، من قسم اللغة الإنجليزية بكلية اللغات – جامعة صنعاء، إلى التعرف على أكثر الأدوات الرقمية استخدامًا لدى متعلمي اللغة، وقياس تصوراتهم بشأن فاعليتها، ورصد أبرز التحديات التي تواجههم أثناء استخدامها.
75 طالبًا في عينة الدراسة
اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي، من خلال استبيان طُبق على عينة عشوائية مكونة من 75 طالبًا وطالبة من المستوى الثالث بقسم اللغة الإنجليزية في كلية اللغات بجامعة صنعاء، بينهم 64 طالبة بنسبة 85.3%، و11 طالبًا بنسبة 14.7%.
وأظهرت البيانات أن 85.1% من المشاركين تتراوح أعمارهم بين 20 و25 عامًا، فيما بلغت نسبة من تتراوح أعمارهم بين 25 و30 عامًا 14.9%. ومن حيث مستوى اللغة وفق التقييم الذاتي، صنف 54.1% أنفسهم في المستوى المتوسط، و43.2% في المستوى المتقدم، و2.7% في المستوى المبتدئ.
واعتمدت الباحثة استبيانًا مكونًا من خمسة محاور شملت البيانات الشخصية، والأدوات الرقمية المستخدمة، وتقييم فاعليتها وفق مقياس ليكرت الخماسي، والتحديات التي تواجه الطلبة، إلى جانب أسئلة مفتوحة للحصول على آرائهم ومقترحاتهم. كما أظهرت اختبارات الثبات أن قيمة ألفا كرونباخ تجاوزت 0.80، بما يشير إلى مستوى مرتفع من موثوقية أداة الدراسة.
القواميس والتطبيقات في صدارة الاستخدام
أظهرت النتائج أن القواميس الإلكترونية وأدوات الترجمة جاءت في مقدمة الأدوات الرقمية المستخدمة، بنسبة 48%، لما توفره من وصول فوري إلى معاني المفردات والنطق والترجمة.
وجاءت تطبيقات الهاتف المحمول في المرتبة التالية بنسبة 45.3%، وشملت تطبيقات مثل Duolingo وBabbel وQuizlet وYouTube وELSA Speak وChatGPT، بينما استخدم 26.7% من الطلبة الدورات التدريبية عبر الإنترنت، و6.7% الفصول الافتراضية مثل Zoom وGoogle Meet، فيما بلغت نسبة مستخدمي منصات تبادل اللغات 10.7%. كما أشار 37.8% إلى استخدام موارد رقمية أخرى، من بينها YouTube وChatGPT ومنصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
أكثر من 66% يثقون بفاعلية القواميس الإلكترونية
وعند تقييم فاعلية الأدوات الرقمية، اعتبر 56.8% من الطلبة تطبيقات الهاتف فعالة أو فعالة جدًا، فيما رأى 56% أن الدورات الإلكترونية تتراوح بين متوسطة وعالية الفاعلية.
أما الفصول الافتراضية، فاعتبرها 73% من المشاركين متوسطة إلى عالية الفاعلية، رغم تأثير مشكلات الاتصال بالإنترنت ومحدودية الإشارات غير اللفظية في عملية التواصل.
وسجلت القواميس الإلكترونية وأدوات الترجمة أعلى مستوى من الفاعلية المدركة، إذ رأى أكثر من 66% من المشاركين أنها فعالة أو فعالة جدًا، خصوصًا في الترجمة الفورية ودعم النطق وتعلم المفردات.
ضعف الإنترنت يتصدر التحديات
في المقابل، كشفت الدراسة عن مجموعة من العقبات التي تحد من الاستفادة الكاملة من التكنولوجيا التعليمية، جاء في مقدمتها ضعف الاتصال بالإنترنت والمشكلات التقنية بنسبة 44% من المشاركين.
وحلت صعوبة العثور على المصادر المناسبة ثانيًا بنسبة 40%، تلتها مشكلة تدفق المعلومات وكثرتها بنسبة 25.3%، فيما أشار 13.3% إلى نقص الدافعية، و16% إلى مشكلات أخرى، بينها التشتت وضعف الدعم المؤسسي.
وأظهرت الإجابات المفتوحة أن الطلبة يقدرون بشكل خاص المرونة التي توفرها الأدوات الرقمية، وإمكانية التعلم وفق سرعتهم وأوقاتهم الخاصة، فضلًا عن دور التطبيقات التفاعلية والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تقديم تغذية راجعة فورية وتدريبات مخصصة. كما أفاد المشاركون بتحسن مهارات متعددة، بينها المفردات والنطق والاستماع والقراءة.
الذكاء الاصطناعي.. مساعد لا بديل عن المعلم
وأبرزت الدراسة تنامي اهتمام الطلبة بالأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي رأوا فيها وسيلة واعدة لتقديم التصحيح الفوري، والتدريبات الشخصية، ومحاكاة المحادثات الواقعية.
وفي الوقت نفسه، أبدى المشاركون مخاوف من التشتت والاعتماد المفرط على مخرجات الذكاء الاصطناعي، ما يؤكد، وفق الدراسة، ضرورة التعامل مع هذه التقنيات بوصفها أدوات مساندة للتعليم التقليدي، لا بديلًا عن المعلم أو التفكير النقدي.
توصيات لتعزيز التعليم الرقمي
وخلصت الدراسة إلى أن نجاح إدماج التكنولوجيا في تعلم اللغات لا يرتبط بتوفير الأدوات الرقمية فحسب، بل يحتاج إلى توجيه وتدريب ودعم مؤسسي وبنية تقنية موثوقة.
وأوصت بتوفير إرشادات واضحة وتدريب مستمر للطلبة على الاستخدام الفعال للأدوات الرقمية، واعتماد نماذج التعلم المدمج التي تجمع بين التطبيقات ومنصات الذكاء الاصطناعي من جهة، والتفاعل المباشر والفصول الافتراضية من جهة أخرى.
كما دعت المؤسسات التعليمية إلى الاستثمار في بنية تحتية تقنية موثوقة ودعم فني مستمر، وإدماج برامج الثقافة الرقمية في المناهج لمساعدة الطلبة على تقييم المصادر واختيارها واستخدامها بكفاءة.
واقترحت الباحثة إجراء دراسات مستقبلية تعتمد أساليب بحث مختلطة تجمع بين الاستبيانات والمقابلات ومجموعات النقاش، وإجراء دراسات طولية ترصد استخدام التكنولوجيا ونتائج التعلم على مدى فترات زمنية أطول، إلى جانب توسيع عينات البحث لتشمل متعلمين من خلفيات ثقافية وتعليمية ومستويات لغوية مختلفة، ودراسة فاعلية أدوات الذكاء الاصطناعي مقارنة بالأدوات الرقمية الأخرى في تطوير مهارات لغوية محددة.
وتؤكد الدراسة في محصلتها أن التكنولوجيا الرقمية أصبحت مكونًا مهمًا في تعلم اللغات الحديثة، غير أن الاستفادة الحقيقية منها تظل مرتبطة بحسن دمجها في العملية التعليمية، وتوفير التوجيه والبنية التحتية والدعم البشري، بما يجعل التقنية وسيلة لتعزيز التعلم المتمركز حول الطالب، لا غاية قائمة بذاتها.
