بعد هزيمته في سماء إيران.. ترامب يواجه معارك جديدة في محطات الوقود وجيوب الأمريكيين وصناديق الاقتراع

◀ تقارير تكشف جني ترامب ملايين الدولارت من حربه الفاشلة على طهران
◀ ترامب يتلقى صفعة شعبية.. 33% فقط يؤيدونه و71% من الأمريكيين ساخطون على تكاليف المعيشة
◀من التغريد إلى التبرير.. الرئيس المهزوم يكتشف أن برميل النفط لا يُدار بزر «إعادة التغريد»!

 

 

الثورة / محمد عبد الله

 

ستة أشهر من العدوان على إيران أضعفت شعبية الرئيس الأمريكي المجرم ترمب، ورفعت أسعار الوقود، وفتحت باباً أكثر خطورة: هل تحوّل العدوان إلى مصدر أرباح لأثرياء ترامب وشركات الطاقة والسلاح؟

عندما بدأ دونالد ترامب عدوانه على إيران، لم يقدمها للأمريكيين باعتبارها حرباً طويلة. كانت، في خطابه، عملية عسكرية سريعة، حاسمة، ستنتهي بانتصار واضح، وستعيد رسم ميزان القوة في الشرق الأوسط.

لكن الحروب لا تحترم كثيراً النصوص التي يكتبها السياسيون لها في يومها الأول.

بعد ستة أشهر، أصبحت الحرب مشكلة داخلية وكابوس يؤرق ترامب .

فالاستطلاعات لم تعد تقيس فقط ما إذا كان الأمريكيون يعتقدون أن ترامب «قوي» في مواجهة طهران، وإنما تسأل سؤالاً أكثر إزعاجاً للرئيس:

هل تستحق هذه الحرب كل هذا الثمن؟

والإجابة، وفق الأرقام الأخيرة، تميل بوضوح إلى «لا».

* 31% فقط يؤيدون الحرب في أحدث استطلاع لـReuters/Ipsos، لم يحصل العدوان العسكري الأمريكي على إيران، إلا على تأييد 31% من الأمريكيين، بينما أظهر الاستطلاع أن شعبية ترامب العامة استقرت عند مستوى منخفض بلغ 33%.

والأكثر إزعاجاً للبيت الأبيض أن العدوان لم يعد مجرد قضية خارجية بعيدة عن حياة الناخب. لقد أصبحت مرتبطة مباشرة بسعر البنزين وتكاليف المعيشة.

وبحسب الاستطلاع نفسه، فإن 71% من الأمريكيين غير راضين عن تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة، بما في ذلك نسبة مهمة من الجمهوريين. كما بدا الديمقراطيون أكثر حماساً للمشاركة في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

هذه ليست أرقاماً مريحة لرئيس يستعد حزبه لخوض انتخابات الكونغرس. بل هي، سياسياً، جرس إنذار.

المشكلة بدأت قبل ذلك بكثير لم يكن التراجع في شعبية الحرب مفاجئاً.

ففي مارس، بعد أسابيع فقط من بدء العدوان على ايران، أظهر استطلاع لمركز Pew أن 61% من الأمريكيين كانوا غير راضين عن طريقة تعامل

ترامب مع الحرب، مقابل 37% مؤيدين. كما قال أغلبية الأمريكيين إن قرار استخدام القوة كان خاطئاً.

وبحلول يونيو، كان التأييد للعمل العسكري قد هبط إلى 34% وفق استطلاع Gallup أُجري قبل الإعلان عن اتفاق وقف الحرب في ذلك الشهر.

ثم جاءت الأشهر التالية لتثبت أن المشكلة لم تكن مجرد «صدمة البداية».

الحرب طالت. والتكلفة ارتفعت. والنفط ارتفع.

والناخب بدأ يسأل السؤال الذي لا يستطيع أي خطاب عسكري الإجابة عنه:

متى تنتهي؟

ترامب الذي وعد بإنهاء الحروب وجد نفسه يدير حرباً مفتوحة. المفارقة السياسية هنا مؤلمة بالنسبة إلى ترامب نفسه.

فالرئيس الذي بنى جزءاً كبيراً من صورته السياسية على انتقاد «الحروب التي لا تنتهي»، وعلى تقديم نفسه باعتباره الرجل القادر على عقد

الصفقات وإنهاء النزاعات، أصبح بعد أشهر أمام حرب لم تحقق حتى الآن النهاية التي وعد بها.

في البداية كان الحديث عن عملية حاسمة.

ثم أصبح الحديث عن السيطرة على مضيق هرمز.

ثم عن تدمير البحرية الإيرانية.

ثم عن تدمير الدفاعات الجوية.

ثم عن إعادة بناء بعض القدرات الإيرانية وضربها من جديد. ثم عن حصار إيران.

وهكذا تحول «النصر» من حدث يفترض أن يقع مرة واحدة إلى سلسلة من الانتصارات المعلنة التي تحتاج إلى انتصار جديد كل أسبوع لإثبات أنها  حدثت فعلاً.

* ترامب في مواجهة معادلة مستحيلة

المشكلة أن ترامب يحتاج الآن إلى فعل شيئين متناقضين.

يحتاج إلى أن يظهر أمام إيران والعالم باعتباره رئيساً قوياً لا يتراجع.

وفي الوقت نفسه يحتاج إلى إقناع الناخب الأمريكي بأن الحرب لا تهدد مستوى معيشته.

لذلك بدأ الخطاب الاقتصادي يحتل مكاناً متزايداً في تصريحات البيت الأبيض.

وفي أواخر أغسطس، كان ترامب يستعد للاجتماع مع شركات تكرير النفط وتجار الوقود لبحث كيفية خفض أسعار البنزين، في محاولة واضحة لتخفيف الضغط السياسي الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة قبل انتخابات التجديد النصفي.

وهنا يصبح المشهد مثيراً للسخرية السياسية:

الرئيس الذي يستطيع إرسال الأساطيل إلى الخليج لا يستطيع إصدار أمر إلى محطة الوقود بخفض السعر.

ارتفعت أسعار النفط بشدة في بداية العدوان، ووصل خام برنت إلى مستويات مرتفعة جداً قبل أن يتراجع لاحقاً.

لكن المشكلة بالنسبة إلى ترامب لم تكن في الرقم العالمي لسعر البرميل فقط.

فالنفط يدخل في كل شيء تقريباً:

البنزين. النقل. الشحن. الطيران. الغذاء. الصناعة.

وبالتالي، فإن أي ارتفاع مستمر في النفط يتحول تدريجياً إلى ضريبة سياسية على الرئيس.

ولهذا لم يكن غريباً أن يصبح ترامب أكثر حساسية تجاه شركات النفط.

ففي أغسطس هاجم شركات النفط الكبرى واتهمها بأنها تحقق أرباحاً كبيرة من اضطرابات سوق الطاقة الناتجة عن الحرب، وطالبها بإعادة جزء من

هذه الأرباح إلى الجمهور وخفض أسعار البنزين.

وكانت شركات مثل ExxonMobil وChevron قد حققت أرباحاً ضخمة خلال فترة ارتفاع الأسعار.

لكن هنا ظهرت المفارقة التي أعطت خصومه مادة سياسية دسمة.

* «أنتم تربحون كثيراً»… لكن محفظة ترامب أيضاً مستفيدة بينما كان ترامب يهاجم شركات النفط بسبب «الربح الزائد» من الحرب، ظهرت تقارير عن استمرار امتلاكه استثمارات في شركات الطاقة نفسها.

ونقلت CBS أن ترامب يملك أسهماً في شركات من بينها ExxonMobil وChevron، وأن استثماراته في قطاع النفط والغاز ارتفعت قيمتها مع صعود أسعار الطاقة خلال الحرب.

وهنا خرج السؤال الذي كان لا بد أن يظهر:

إذا كانت أرباح شركات النفط الناتجة عن العدوان مشكلة أخلاقية، فماذا عن أرباح محفظة الرئيس نفسه عندما ترتفع هذه الأسهم؟

السؤال وحده كان كافياً لإشعال الجدل.

ففي السياسة، أحياناً لا تحتاج المعارضة إلى إثبات أن الرئيس بدأ الحرب من أجل المال؛ يكفيها أن تقول للناخب:

العدوان رفع أسعار النفط، وشركات النفط ربحت، وأسهم الرئيس ارتفعت قيمتها… فمن المستفيد؟

النتيجة الحتمية: «حرب مربحة»

ومع اتساع العدوان، ظهرت تقارير وتحليلات تتحدث عن المستفيدين اقتصادياً من العدوان على ايران.

شركات النفط استفادت من ارتفاع الأسعار.

شركات الدفاع استفادت من الإنفاق العسكري.

وشركات مرتبطة بالأمن والطاقة حققت مكاسب مع تصاعد المخاطر.

وفي المقابل، دفع المستهلك الأمريكي سعراً أعلى للوقود.

وكشفت تقارير أن عائلة ترامب ومصالح مرتبطة بها كانت من بين المستفيدين الأكبر من ارتفاع قيمة بعض الأصول، بينما استفادت شركات السلاح

والطاقة من العدوان.

وهنا أصبح الجدل السياسي في الداخل الأمريكي أكثر حدة:

هل الحرب تخدم الأمن القومي الأمريكي فقط، أم أنها تخدم أيضاً مصالح اقتصادية معينة؟

توجد حقيقة أكثر بساطة وأقل إثارة للجدل:

«الأصول التي يملكها ترامب ارتفعت قيمتها مع ارتفاع قطاع الطاقة، في الوقت الذي كان فيه الأمريكيون يدفعون أسعاراً أعلى للطاقة.

وهذه الحقيقة وحدها كافية لإنتاج مشكلة سياسية ضخمة».

كما أن المفارقة التي ستطارده في انتخابات التجديد النصفي، هو أن ترامب كان يريد من العدوان أن تعزز صورته كرئيس قوي.

لكن العدوان بدأ ينتج صورة أخرى:

رئيس يخوض حرباً طويلة.

رئيس يتحدث عن انتصارات متكررة.

رئيس يقول إن البحرية الإيرانية انتهت.

رئيس يقول إن الدفاع الجوي الإيراني انتهى.

رئيس يقول إن مضيق هرمز تحت السيطرة الأمريكية.

ثم رئيس آخر، في البيت الأبيض نفسه، يجتمع مع شركات النفط ليسألها:

كيف نخفض أسعار البنزين؟

هذه بالضرورة صورة الهزيمة العسكرية، كما أنها أيضا صورة لمشكلة سياسية متنامية.

حتى الجمهوريون لم يعودوا كتلة واحدة. فالمشكلة الأخطر لترامب ليست أن الديمقراطيين يهاجمونه.هذا متوقع.

المشكلة هي أن العدوان على ايران  بدأ يضرب القاعدة التي يعتمد عليها سياسياً.

فاستطلاع Pew المبكر أظهر معارضة واسعة للعدوان حتى قبل أن تتضح نتائجها، بينما أظهرت الاستطلاعات اللاحقة أن التأييد استمر في

الانخفاض.

وفي أحدث استطلاع Reuters/Ipsos، لم تتجاوز نسبة تأييد الحرب 31%، بينما بلغت شعبية ترامب نفسها 33%.

أي أن الرئيس لم يعد يستطيع ببساطة القول إن «الشعب الأمريكي يقف خلف الحرب».

بل أصبح مضطراً إلى شرحها. وهذه لحظة سياسية مختلفة تماماً.

* من «أمريكا أولاً» إلى «من يدفع الفاتورة؟»

ربما يكون هذا هو السؤال الذي بدأ يطارد ترامب فعلاً. فشعار «أمريكا أولاً» يفترض أن تكون مصلحة الأمريكي العادي هي المعيار.

لكن ماذا يرى المواطن؟

يرى حرباً مستمرة.

يرى أسعار وقود أعلى.

يرى تضخماً ومخاوف من ارتفاع تكاليف المعيشة.

ويرى شركات نفط تحقق أرباحاً ضخمة.

ويرى شركات دفاع تستفيد من الإنفاق العسكري.

ثم يسمع الرئيس يقول إن كل شيء يسير وفق الخطة.

هنا يتحول السؤال من:

هل انتصر ترامب على إيران؟

إلى:كم كلفت حرب ترامب العبثية الأمريكيين؟

وهذا سؤال أكثر خطورة سياسياً.

«الحرب الفاشلة»… هل هي فعلاً كذلك؟

فمن الناحية العسكرية، لم تحقق الولايات المتحدة أهدافها، بل كانت حربا بلا هدف .

فبعد ستة أشهر، لم تستسلم إيران.

ولم تختفِ قدرتها على تهديد الملاحة.

ولم ينتهِ الصراع. ولم يختفِ خطر هرمز.

والأهم بالنسبة إلى ترامب: لم تتحول الحرب إلى شعبية سياسية في الداخل. بل تشير أحدث البيانات إلى العكس.

وهنا يصبح وصف الحرب بأنها «فاشلة» حكماً سياسياً قابلاً للنقاش، لكنه ليس بلا أساس إذا كان معيار النجاح هو تحقيق نتيجة حاسمة وسريعة  بأقل تكلفة.

* ترامب يحاول إنقاذ البرميل قبل إنقاذ شعبيته

في هذه المرحلة، يبدو أن البيت الأبيض بدأ يتعامل مع أسعار النفط باعتبارها مشكلة انتخابية بقدر ما هي مشكلة اقتصادية.

رويترز نقلت في أواخر أغسطس أن مستشاري ترامب كانوا يخشون من الخسائر السياسية في انتخابات التجديد النصفي، وأن الإدارة تريد خفض

مستوى الصراع والضغط على أسعار الوقود، خصوصاً مع تراجع تأييد الحرب. وهذا منطقي سياسياً.

فالناخب قد لا يعرف عدد الصواريخ التي دمرتها القوات الأمريكية.

وقد لا يهتم بعدد السفن الإيرانية التي يقول ترامب إنها غرقت.

لكنه يعرف جيداً كم دفع عند محطة البنزين.

وهنا تصطدم «الانتصارات العسكرية المزعومة» بأبسط اختبار انتخابي: سعر المضخة.

* السخرية الأخيرة: ترامب يربح الحرب على الشاشة… والسوق يرسل الفاتورة

لعل أكثر ما يحرج ترامب في عدوانه على ايران، أن صورته السياسية التي صنعها بنفسه بدأت تعمل ضده.

فالرئيس الذي يريد أن يبدو قادراً على السيطرة على كل شيء يواجه سوقاً لا يستطيع السيطرة عليه.

يعلن أن هرمز تحت السيطرة، فيرتفع النفط عند تجدد القتال.

يعلن أن البحرية الإيرانية انتهت، ثم تضطر القوات الأمريكية إلى مواصلة ضرب الأصول البحرية والصاروخية التي تهدد الملاحة.

يعلن أن الدفاع الجوي الإيراني انتهى، ثم تستمر الضربات على الرادارات والدفاعات الجوية.

يهاجم شركات النفط لأنها «تربح كثيراً» من الحرب، بينما تظهر تقارير عن استفادة استثماراته من ارتفاع أسهم قطاع الطاقة.

ثم يذهب إلى شركات التكرير ليطلب منها خفض أسعار البنزين.

إنها ليست فقط مفارقة سياسية. إنها مشكلة ثقة.

* ترامب يكسب من العدوان على إيران؟

الجواب الصحفي المسؤول: «نعم، ترامب يشن الحرب ليصبح أكثر ثراءً».

هنا توجد تقارير وأرقام تستحق التدقيق. حيث تشير تقارير حديثة إلى أن ارتفاع أسهم النفط والغاز رفع قيمة استثمارات ترامب في هذا

القطاع بملايين الدولارات، فيما استفادت شركات الطاقة والدفاع من العدوان على إيران.

وهذا يخلق تضارباً سياسياً وأخلاقياً واضحاً حتى لو لم يكن دليلاً على أن الحرب شُنت من أجل المال.

فالسياسي الذي يملك أصولاً ترتفع قيمتها بسبب أزمة هو نفسه المسؤول عن إدارة تلك الأزمة، سيواجه حتماً السؤال:

هل أنت تدير الأزمة، أم أن الأزمة تدير استثماراتك؟

*الخلاصة: عندما يصبح «النصر» أغلى من أن يتحمله الناخب

يستطيع المجرم ترامب أن يهذي كعادته بأنه انتصر في عدوانه على ايران.

ويستطيع البيت الأبيض أن ينشر البيانات التي تتحدث زاعمة، عن تدمير القدرات الإيرانية والسيطرة على هرمز.

لكن هناك ثلاثة أرقام يصعب التغريد بعيداً عنها:

– 31 % فقط يؤيدون الحرب في أحدث استطلاع Reuters/Ipsos .

– 33% فقط يوافقون على أداء ترامب في ذلك الاستطلاع.

– وأسعار النفط والوقود أصبحت قضية انتخابية مباشرة قبل انتخابات التجديد النصفي.

هذه الأرقام تقول إن المعركة الحقيقية لترامب لم تعد في سماء إيران وحدها.

إنها في محطات الوقود الأمريكية، وفي جيوب الناخبين، وفي صناديق الاقتراع.

وإذا كان ترامب قد نجح في إقناع البعض بأن البحرية الإيرانية «انتهت»، فإنه يواجه الآن مهمة أصعب بكثير:

إقناع الناخب الأمريكي بأن الحرب أنتهت، من دون أن يدفع المواطن الأمريكي ثمنها.

وهذه، حتى الآن، هي المعركة التي لا يبدو أن ترامب يملك فيها «سيطرة 100%». فالتناقض  بين المستفيدين من ارتفاع النفط وبين المستهلكين الذين يدفعون الثمن أصبح واضحاً إلى درجة يصعب تجاهله.

وفي السياسة الأمريكية، لا يحتاج الناخب إلى أن يقرأ تقريراً عن سوق النفط كي يفهم المعادلة.

يكفيه أن ينظر إلى شاشة محطة الوقود.

هنا لا توجد تغريدة تقول إن السعر «تحت السيطرة».هذه الزاوية أصبحت أقوى الآن، لأن الأرقام الحديثة تدعمها فعلاً: تأييد الحرب عند نحو 31%، وشعبية ترامب عند 33%، مع قلق البيت الأبيض من أثر الحرب وأسعار الوقود على انتخابات نوفمبر.

قد يعجبك ايضا