اضطراب ما بعد الرضّ PTSD: اضطراب نفسي يصيب الأفراد الذين يتعرّضون للحوادث، سواء كانوا طرفاً فيها أو شهوداً عليها. هذا الاضطراب معروف منذ زمن طويل وقد تناوله الطب النفسي بالكثير من الدراسات والأبحاث، كما شكّل مادة غنية للسينما العالمية خاصة إبّان الحرب الفيتنامية، حيث صوّرت الأفلام تأثير الحرب على الجنود العائدين من فيتنام، ولعلّ فيلم “صائد الغزلان” الذي نال خمس جوائز أوسكار عام 1978، واحداً من أشهر هذه الأفلام.
تراجع الاهتمام بهذا الاضطراب في العقد الأخير من القرن العشرين، لكنه عاد إلى الواجهة بعد تفجيرات سبتمبر 2001، ووصل مداه مع الحرب على العراق، وقد اشتهر فيلم “القنّاص الأمريكي” الذي أنتج في العام 2014 عن قصة قنّاص أمريكي عمل في العراق، وعاد إلى بلاده ليساعد الجنود الذين يعانون من “اضطراب ما بعد الرضّ”، نتيجة إصابتهم في تلك الحرب، لكنّ واحداً من أولئك الجنود يقوم بقتله.
لقد أصبح هذا الاضطراب حقيقة مقبولة علمياً واجتماعياً، ويُعتبر المصاب بالأشكال الشديدة منه في حالة عجز كلّي ودائم. لكنّ أحداً لم يحاول أن يبحث عن إمكانية تعرّض الدول والأنظمة لهذا الاضطراب بعد تعرّضها لأزمات تهدّد كيانها. أزعم في هذا المقال أنّ الرأسمالية العالمية عانت من “اضطراب ما بعد الرضّ” نتيجة تعرّضها لأزمتين؛ الأولى تفجيرات نيويورك 2001، والثانية الانهيار المالي عام 2008، وأعرض لظواهر هذا المرض ومدى انطباقها على الدول.
التجنّب والانعزال؛ ويتجلّى بالابتعاد عن الآخرين نتيجة القلق والشكّ بالآخرين، وترجمة هذه الحالة بردّات فعل غاضبة وعدوانية. نستطيع تتبّع هذا السلوك في المجتمعات الرأسمالية، من خلال تنامي التيارات اليمينية والانعزالية، مثل القوميين البيض، الأمريكانية Americanism، وحليقي الرؤوس، الموقف من اللاجئين سواء بتركهم للموت في البحار أو تحويل معاداتهم إلى وسيلة لتحقيق النجاحات السياسية، التوجّه إلى مغادرة التجمّعات الإقليمية كما حدث في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست). يترافق ذلك مع ردّ الفعل الشديد العدوانية تجاه وهم التهديدات، كما شهدنا في القصف الوحشيّ الأمريكي في العراق، والأوروبي في ليبيا، وما يحدث حتى اليوم في فلسطين اليمن.
الاستعادة؛ حيث يعاني المصاب من هلوسات يقوم خلالها باستعادة الأحداث التي أدّت إلى إصابته بالاضطراب، وخوض المشاعر والآلام نفسها. تتصرّف الرأسمالية تجاه العالم وكأنّ ما حدث عامي 2001، و2008 ما زال مستمراً في الحدوث. فلا يكاد يمرّ أسبوع من دون إنذار لمواطني الدول الغربية بإمكانية حدوث عمليات إرهابية داخل هذه الدول أو خارجها، وفي حال حدوث أيّ عمل إرهابي، تكون ردود الفعل مبالغ فيها داخلياً وخارجياً. في الوقت نفسه لا تكاد تخلو دورية اقتصادية صادرة في الدول الرأسمالية من مقال أو بحث يتناول الأزمة المالية أو يبني تحليلاته واستنتاجاته عليها. أما في السينما العالمية فتشكّل استعادة الأحداث مادة للعديد من الأفلام التي تصوّر احتلال البيت الأبيض، أو احتلال لندن، إضافة إلى الأفلام التي تستعيد الأزمة المالية بسيناريوهات مختلفة.
تجنّب كلّ ما يمكن أن يذكّر المصاب بالحادث؛ يستطيع المراقب ملاحظة التراجع الواضح لدور الأسواق المالية، التي أصبحت أكثر انضباطاً بفعل مجموعة من القوانين والضوابط التي وضعتها الحكومات المختلفة في محاولة لتجنّب أيّ انهيارات مستقبلية، وظهور تيار واضح يدعو إلى استعادة الشكل التقليدي للرأسمالية القائم على إنتاج البضائع وبيعها. وعودة الرأسمالية العالمية إلى أسلوب الهيمنة المباشرة على الدول من خلال القواعد العسكرية، والحروب العبثية التي تستخدم فيها القوة الغاشمة لقتل المدنيين وتدمير البنى التحتية للدول كما حدث في العراق وسوريا وفلسطين وإيران.
الأرق وغياب الحافز؛ تعاني الاقتصاديات الرأسمالية من تراجع حادّ في نسب النمو التي لا تتجاوز 1.5 %، في حين تتجاوز هذه النسب في الاقتصاديات الصاعدة والنامية الـ 5 %. يعود هذا التراجع إلى تباطؤ الاستثمارات داخل الاقتصادات الرأسمالية بسبب القلق من تكرار الأزمة المالية، وغياب الثقة بالسياسات المالية والاقتصادية المتّبعة. يضاف إلى ما سبق تراجع المشاريع المتوسطة والصغيرة بسبب تشدّد السياسات البنكية، وميل الاقتصادات الغربية إلى مركزة رأس المال بيد حفنة صغيرة من الرأسماليين، ولعلّ دور الملياردير الأمريكي إيلون ماسك أوضح دليل على هذا الميل.
التحفّز والغضب؛ حيث يشعر المصاب أنه تحت تهديد دائم، مما يستدعي بقاءه في حالة تحفّز، مع ردود فعل سريعة غاضبة وعدوانية وغير محسوبة العواقب. لعلّ هذا العرض الأكثر ظهوراً في سلوكيات الدول الرأسمالية منذ مطلع هذه الألفية. نستطيع تتبّعه في حجم الجريمة التي ارتكبتها قوات الناتو في العراق، وسوريا وليبيا واليمن، وحرب الإبادة في غزّة، والحرب على إيران، واختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، والحصار على كوبا، وبناء جدران الفصل في فلسطين وعلى الحدود مع المكسيك، وعلى الحدود بين الدول الأوروبية لمنع مرور اللاجئين. أدّى ردّ الفعل المتسرّع وغير المحسوب، إلى تفاقم الأزمات العالمية التي وصلت حدّ الفوضى التي اجتاحت معظم دول العالم بما فيها الدول الرأسمالية. هذه الفوضى شملت الاقتصاد والسياسة والأمن.
بعد التشخيص، تبدأ رحلة العلاج التي تكون، عادة، طويلة ومتباينة النتائج، وتشير الدراسات إلى أنّ حالات اضطراب ما بعد الرضّ، الشديدة والمزمنة، بين البشر تميل إلى تطوير سلوك انسحابي، يتمثّل في إدمان الكحول والمخدّرات، وأنّ نسبة عالية من المصابين ينتهون بالانتحار أو في السجون بسب ارتكاب جرائم مروّعة، بما فيها جرائم قتل أفراد العائلة والجيران. فهل تتجه الرأسمالية نحو تدمير ذاتها، كما تنبّأ كارل ماركس؟
كلّ ما يدور في عالم اليوم يشير إلى أنّ الدول الرأسمالية التاريخية (الغربية) تسير في منحى تنازلي، وأنها تفشل في تحقيق أيّ إنجاز سواء كان سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً. على الجانب المقابل تنمو رأسمالية صاعدة تبدو أقلّ توحّشاً، مع ميل أقلّ للتحوّل نحو الإمبريالية. لكنّ هذه الرأسمالية ما زالت تتلمّس خطواتها الأولى، وقد تعلّمت الشعوب من التاريخ أنّ الرأسمالية التي جاءت على وقع منطق ديكارت وتنوير كانط وعدالة جون ستيوارت الاجتماعية، ما لبثت أن كشّرت عن أنيابها لتتحوّل إلى وحش ضارٍ ارتكب أبشع الجرائم. فكلّ رأسمالية ستسير على الخطى نفسها طال الزمن أم قَصُر.
الأمل في العدالة اليوم يأتي من شعوب الأطراف المقهورة التي تقاتل الرأسمالية في فلسطين وإيران وكوبا واليمن، أن يتحد هؤلاء تحت لواء أممية الشعوب المقهورة، وأن يناضلوا معاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، ليكونوا أمل البشرية جمعاء وليس سكان دولهم فقط.
* كاتب سياسي أردني
