هندسة عسكرية لتوسيع الاستيطان أم تحويل الضفة إلى جبهة حرب رئيسية؟
استدعاء الكيان قواته إلى شمال الضفة:
على أن التصعيد الإسرائيلي الأخير في شمال الضفة الغربية ارتبط بعملية أمنيه بسيطة، إلا أن قرار حكومة الكيان إرسال قوات والإعلان عن عملية عسكرية كبيرة، كشف حجم نفوذ اليمين المتطرف الذي يسعى إلى تحويل الاشتباكات المحدودة بين الفلسطينيين والمستوطنين إلى عمليات عسكرية كبيرة تفتح الطريق لمزيد سياسة «الضم الزاحف» للأراضي وتوسيع المستوطنات بل وتحويل الضفة الغربية إلى جبهة حرب رئيسية ومسرحا لجرائم إبادة جديدة.
بعد اشتباكات محدودة وقعت قرب قرية “تل” غرب نابلس بالضفة الغربية أسفرت عن مقتل إسرائيلي وعدد من الفلسطينيين، ذهبت حكومة الكيان إلى التصعيد بإعلانها إطلاق عملية عسكرية واسعة في شمال الضفة الغربية بينما أعلن نتنياهو ووزير دفاعه استدعاء المزيد من القوات والتعزيزات العسكرية إلى شمال الضفة استعدادا لعملية عسكرية كبيرة.
هذه الخطوات كشفت عن نوايا إسرائيلية لفرض طوق أمنى وإقامة حواجز إضافية في شمال الضفة وسط ترتيبات لإطلاق عمليات دهم واعتقال واسعة فضلا عن إجراءات عقابية متوقعة كهدم المنازل وسحب بعض تصاريح العمل، وفق ما أعلنه مسؤولون إسرائيليون.
لكن التصعيد الجديد في شمال الضفة لم يخل من أهداف خفية يتبناها اليمين المتطرف لما يسميه “استعادة الردع” وتحويل أي اشتباكات محدودة بين الفلسطينيين والمستوطنين إلى عمليات عسكرية كبيرة تفتح لها طريق سياسة “الضم الزاحف” للأراضي ودعم البؤر الاستيطانية غير القانونية وتحويلها إلى مستوطنات دائمة.
يصعب اعتبار العملية العسكرية التي أعلنت حكومة الكيان العزم على شنها في الضفة الغربية ردا على حادث أمنى، فهي تأتي بعد أشهر من تعزيز الانتشار العسكري والإجراءات الإدارية في الضفة الغربية، بما عكس ترتيبات خفية لنقل جيش الاحتلال إلى مرحلة جديدة تقوم على الوجود العسكري المكثف والمستمر في شمال الضفة، بدلاً من الاكتفاء بالاقتحامات الدورية.
ذلك أن المواجهات الأخيرة بين الفلسطينيين والمستوطنين اندلعت عندما دخلت مجموعة من 25 إلى 30 مستوطناً إسرائيلياً إلى مناطق قرية “تل” ما أدى إلى مواجهات بسيطة تطورت إلى إطلاق نار، بعد أن خطف فلسطيني سلاحاً من أحد الحراس وأردى أحد المستوطنين قبل أن يقتله الجيش الإسرائيلي.
سريعا استثمرت حكومة اليمين المتطرف الحادث لتنفيذ تهديداتها السابقة بشن عملية عسكرية واسعة وتعزيز التواجد العسكري الإسرائيلي بـ 5 سرايا إضافية قابلة للتوسع، وإقامة حواجز جديدة، وحصار مدن بذريعة “تفكيك البنية التحتية للمسلحين” استجابة لدعوة سابقة وجهها وزير المالية الصهيوني المتطرف سموتريتش إلى “تدمير القرى” وكذلك دعوة الوزير المتطرف بن غفير إلى “محوها” جواً”.
جرائم منتظرة
القراءة العميقة للقرارات الإسرائيلية الأخيرة تكشف عن نقطة تحول في السياسة الإسرائيلية من “الضم الناعم” لأراضي الضفة الغربية إلى “الضم العنيف” بأدوات العقاب الجماعي والردع باستخدام العنف المفرط، وزيادة الاعتقالات والاقتحامات، وإقامة الحواجز وفرض القيود على حركة الفلسطينيين وتوسيع الوجود العسكري حول المدن والمخيمات، بما يرغم الفلسطينيين في هذه المناطق على الهجرة وتغيير الواقع الديموغرافي على الأرض.
هذا الأمر صار مرجحا إلى حد كبير بعد التداعيات الأخيرة فبدلا من اتجاه حكومة الكيان للاعتقالات والغارات لجأت إلى استدعاء قوات عسكرية جديدة والإعلان عن عملية عسكرية كبيرة في الضفة، فضلا عن نشر قوات ثابتة في مناطق تعتبرها “بؤراً ساخنة” خصوصا في نابلس وجنين وطولكرم.
والهدف الأكبر منها هو تسوية الأرضية لجيش الاحتلال لتنفيذ عمليات عسكرية متواصلة لفترة غير معلومة وغير محددة الأهداف، وكذلك تقديم الحماية العسكرية للمستوطنين بما يعنيه ذلك من إقامة حواجز والتهام مساحات جديدة من أراضي المواطنين الفلسطينيين وإقامة مستوطنات وبؤر استيطانية جديدة.
والمتابع لتصريحات المسؤولين الإسرائيليين يمكنه توقع الإجراءات التي سيباشرها جيش الاحتلال في مناطق شمال الضفة، والتي قد تشمل فرض عقوبات جماعية مثل هدم المنازل وسحب تصاريح العمل من سكان القرى المصنفة كبؤر توتر، وتوسيع وتسريع عمليات الاستيطان وشرعنه البؤر الاستيطانية وبناء مستوطنات جديدة كعقاب جماعي.
هندسة عسكرية للاستيطان
جاءت القرارات الإسرائيلية الأخيرة في سياق سلسلة إجراءات اتخذتها حكومة الكيان خلال العام الجاري وخاصة منذ فبراير الماضي، سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية غير المسبوقة في سياسة “الضم التدريجي الزاحف” شملت هندسة قانونية لإدارة الأراضي بعد اعتماد مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر “الكبينت” حزمة قرارات غيّرت جذرياً آليات تسجيل وإدارة الأراضي وإلغاء الحظر المفروض منذ 1967 على بيع الأراضي الفلسطينية للكِيانات اليهودية.
شملت أيضاً توسيع الصلاحيات الإدارية الإسرائيلية داخل الضفة الغربية ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في الخليل بما فيها الحرم الإبراهيمي من السلطة البلدية الفلسطينية إلى “الإدارة المدنية الإسرائيلية” وتوسيع صلاحيات هيئات الإنفاذ الإسرائيلية في ملفات الآثار والبيئة والمياه لتشمل المناطق “أ” و”ب” الخاضعة أصلاً للسلطة الفلسطينية في إجراءات قسرية قلصت عمليا دور الإدارة الفلسطينية في بعض الملفات.
يضاف إلى ذلك إلغاء حكومة الكيان قيوداً كانت تحد من شراء الإسرائيليين للأراضي في الضفة، وفتحها سجلات الأراضي لتسهيل عمليات التسجيل والشراء، بما يدعم التوسع الاستيطاني ومصادقتها على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة وتخصيص ميزانيات كبيرة لشق الطرق والبنية التحتية وربط المستوطنات ببعضها وبداخل إسرائيل، ناهيك بشروعها بإجراءات لحصر وتصنيف مساحات واسعة ضمن ما يسمى “أراضي الدولة” لتسهيل تخصيصها لاحقا للتوسع الاستيطاني أو للمشروعات الإسرائيلية.
شهد العام الجاري أيضا تسارعا في النشاط الاستيطاني بصورة غير مسبوقة بالمصادقة على بناء وحدات سكنية ومستوطنات جديدة: بـكلفة ناهزت الـ 2.3 مليار دولار لبناء 12,000 وحدة استيطانية جديدة، مع الموافقة على 34 مستوطنة جديدة في أبريل الماضي، ومخطط للسيطرة على 100 موقع استراتيجي.
الهدف من هذه الإجراءات لم يكن فقط تعزيز السيطرة الأمنية في المناطق التي تعتبرها حكومة الاحتلال “مصدر تهديد” بل ارتبط بهدف استراتيجي محوري وهو توسيع الكتل الاستيطانية وربطها بشبكات الطرق، وتقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية تدريجياً في بعض الملفات المدنية والإدارية والتهيئة لضم تدريجي لمناطق واسعة من الأراضي المحتلة في الضفة الغربية خصوصاً المنطقة (ج)، دون الحاجة إلى إعلان ضم شامل دفعة سعيا إلى تحقيق الهدف الأكبر وهو قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً عبر فرض واقع جديد يصعب التراجع عنه في أي مفاوضات مستقبلية بشأن حل الدولتين.
كما شهد تصاعدا كبيرا في سياسة هدم المنازل مع توسيع صلاحيات الهدم لتشمل المنطقة “أ”. كما تم تضييق الخناق الاقتصادي بسحب تصاريح العمل من القرى المصنفة “بؤر توتر”، وفرض قيود حركة مشددة عبر مئات الحواجز.
أما الخطوة الأخيرة فكانت في استدعاء وحدات من قوات الاحتلال للانتشار في قرى شمال الضفة الغربية وتعزيز الوحدات العسكرية القائمة والإعلان عن استعدادات لعملية عسكرية كبيرة.
وخطورة ما يجري في الضفة الغربية اليوم ليس قراراً واحداً بعينه، بل تراكم عشرات القرارات الصغيرة التي تنقل السيطرة تدريجياً من إدارة عسكرية مؤقتة إلى إدارة مدنية إسرائيلية أكثر ديمومة، وهذا هو السبب في أن التقديرات التي عبر عنها أكثر الخبراء الدوليين بأن ما يحدث “ضم تدريجي” أو “ضم فعلي” حتى دون صدور إعلان رسمي بفرض السيادة على كامل الضفة الغربية.
يأتي ذلك في ظل ما تفرضه اتفاقات “أوسلو” الموقعة من الكنيست الإسرائيلي من التزامات بعدم تغير الوضع النهائي للأرض أو توسع الاستيطان أو نقل صلاحيات بصورة دائمة وهي الإجراءات التي تتعارض كليا مع روح الاتفاق وهدفه.
وآخر القرارات الصادرة عن حكومة الكيان يوم 8 فبراير الماضي انتهكت بوضوح اتفاقية أوسلو الثانية (1995)، حيث خولت الحكومة الإسرائيلية لنفسها صلاحيات في المنطقة “أ” (خاضعة للسيطرة الفلسطينية الكاملة) والمنطقة “ب”، بما شكل أيضا انتهاكا لبروتوكول الخليل (1997) بنقل صلاحيات التخطيط.
ذلك ان اتفاقات “أوسلو” قسمت الضفة إلى مناطق (أ)، و(ب)، و(ج)، مع افتراض أن يكون هذا التقسيم انتقالياً إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية، واي خطوة أحادية لتغيير الوضع الجغرافي والديموغرافي محظورة، وما حدث أن الحكومة الإسرائيلية تمارس انتهاكاها للاتفاق بطرق ملتوية وتقول إن ما تقوم به من إجراءات يقع ضمن صلاحياتها الأمنية والإدارية، ولا تعد إعلاناً رسمياً للسيادة.
لا تعد الإجراءات الإسرائيلية المتخذة مخالفة لاتفاقات “أوسلو” وحسب بل أن تتعارض كليا مع قرارات الشرعية الدولية ومجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة وكل المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي تعتبر الضفة الغربية أرضاً فلسطينية محتلة وتعد المستوطنات فيها غير قانونية، كما تعتبر أي ضم أو تغيير أحادي للوضع القانوني أو الديموغرافي للأرض المحتلة مخالفاً للقانون الدولي.
من وجهة نظر القانون الدولي تُعتبر المستوطنات وضم الأراضي بالقوة إجراءات غير قانونية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة بينما أكدت الأمم المتحدة أن هذه الإجراءات “انتهاك صريح” للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، خاصة القرار 2334.
جبهة حرب رئيسية
الخطوات الإسرائيلية الأخيرة عكست بوضوح توجهاً إسرائيلياً يعتبر أن الضفة الغربية أصبحت الجبهة العسكرية والأمنية الرئيسية بعد تراجع حدة القتال على الجبهات الأخرى مثل غزة وجبهتي سوريا ولبنان.
ووفقا لذلك قد نشهد خلال الأسابيع المقبلة انتقال جزء أكبر من الموارد العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية إلى الضفة بهدف تثبيت واقع أمني وسياسي جديد، مع بقاء خطر التصعيد قائماً إذا توسعت دائرة الاشتباكات.
وفي حال استمرت العملية لأيام أو أسابيع، فمن المتوقع أن تؤدي إلى تصاعد المواجهات المسلحة والاشتباكات في شمال الضفة، يرافقها تزايد في حملات الاعتقال ورفع مستوى القيود على الحركة والإغلاقات، وارتفاع احتمالات وقوع هجمات انتقامية من جانب فصائل فلسطينية أو أفراد، خصوصا بعد تسجيل هجمات انتقامية من مستوطنين في أعقاب الحادث الأخير.
على أن الضفة الغربية هي بالفعل إحدى أهم الجبهات الأمنية لإسرائيل منذ سنوات، إلا أن تركيز الخطاب السياسي والأمني للمسؤولين الإسرائيليين في وصف الضفة بأنها “مركز التهديد الرئيسي”، يعكس تحولاً في ترتيب الأولويات الأمنية ضمن سياسة جديدة تجعل من الضفة الغربية جبهة الحرب الرئيسية لجيش الاحتلال الإسرائيلي في الفترة القادمة.
هذا الأمر تعبر عنه بوضوح أوساط بداخل اليمين المتطرف الإسرائيلي والتي ترى أن الضفة الغربية أصبحت أخطر الجبهات بسبب قربها المباشر من تل أبيب والقدس والمراكز السكانية الكبرى، ووجود مئات آلاف المستوطنين داخل الضفة، وصعوبة الفصل الجغرافي الكامل بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
ورغم عدم وجود إعلان إسرائيلي رسمي بهذا المعنى إلا أن الكثير من المؤشرات ظهرت إلى السطح مؤخرا تؤكد هذا التوجه.
من ذلك استمرار جيش الاحتلال في نقل وحدات عسكرية إضافية إلى الضفة وزيادة عدد الكتائب العاملة فيها وتمديد فترات انتشار القوات النظامية وقوات الاحتياط، وتعزيز الوحدات الخاصة والاستخبارات الميدانية.
يضاف إلى ذلك تصاعد الاستثمار في البنية الأمنية، مثل إنشاء طرق عسكرية جديدة، وتوسيع الحواجز ونقاط التفتيش، وتطوير أنظمة المراقبة والكاميرات وزيادة استخدام الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات، وهذه استثمارات طويلة الأجل وليست إجراءات مرتبطة بأزمة عابرة.
كل هذه المؤشرات تُرجح أن الفترة القادمة قد تشهد وجود عسكريا إسرائيليا كبيرا ودائما في الضفة وزيادة المراكز العسكرية ونقاط التفتيش والدوريات وتسارع النشاط الاستيطاني بالتوازي مع رفع وتيرة الاعتقالات والاقتحامات وتشديد قيود التنقل وزيادة الإغلاقات وتراجع حرية الحركة الفلسطينية مع احتمال وقوع مواجهات بين جيش الاحتلال والفلسطينيين بما يفاقم من الصعوبات التي تواجهها السلطة الوطنية الفلسطينية في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
وفي حال تبين خلال الأيام المقبلة أن جيش الاحتلال سيُبقي قوات كبيرة داخل المدن والمخيمات لفترة طويلة، أو أعلن إنشاء مناطق عسكرية مغلقة أو قواعد انتشار دائمة، فسيكون ذلك مؤشراً قوياً على أن إسرائيل تتجه إلى جعل الضفة الغربية الجبهة الأمنية الأكثر الرئيسية في المرحلة المقبلة، مع ما يحمله ذلك من آثار على الوضع الأمني والسياسي ومستقبل أي مسار تفاوضي.
وهنا يتعين الإشارة إلى أن تسارع هذا السيناريو مرهون بتحولات مهمة أبرزها استمرار الهدوء في مناطق الحدود الإسرائيلية اللبنانية وعدم مشاركة الكيان في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على إيران.
