تضيق العبارات وتعجز اللغات أمام هول الواقع القاسي الذي يطبق على قطاع غزة، حيث تحولت الطفولة الغضة إلى مجرد أرقام تُحصى في نشرات الأخبار، وانقلبت الأجساد الصغيرة إلى أكفان متجاورة تنتظر وداعها الأخير. إن ما يجري هناك يتجاوز مفهوم الأزمة الإنسانية العابرة ليغدو زلزالاً أخلاقياً يضرب منظومة القيم العالمية في صميمها، كاشفاً العوار الفاضح لمؤسسات المجتمع الدولي التي تقف متفرجة أمام أتون الإبادة والتهجير، مكتفية ببيانات جوفاء لا تسمن طفلاً من جوع ولا تقيه برداً.
في خضم هذا المشهد المأساوي، تبرز الصرخات والدعوات لتشكل جرس إنذار مدوٍ يقرع أبواب الضمير العربي والإسلامي والعالمي. إن غزة اليوم لا تباد بآلة الحرب والدمار الممنهج وحدها، بل تباد بصمت مطبق وغيبوبة دولية تواطأت مع الجلاد عبر عجزها وغياب إرادتها الحقيقية لوقف نزيف الدم. وحين يمتزج أنين النساء والأطفال تحت الركام ببرد الشتاء القارس وقسوة الرياح والأمطار، تتكشف أبعاد كارثية جديدة تتجاوز حدود القصف العسكري لتستهدف الوجود الإنساني الفلسطيني برمته، إذ يُترك وحيداً يصارع الموت بلا مأوى ولا دواء ولا رغيف خبز.
هذا الواقع المفجع يضع الأمتين العربية والإسلامية، بكل مكوناتهما الرسمية والشعبية، أمام اختبار تاريخي لا يقبل إنصاف الحلول ولا يحتمل الرمادي. إن استمرار هذا النزيف اليومي وسط حالة التراخي والتشرذم يعكس أزمة بنيوية في مفهوم التضامن ووحدة المصير، فالأمة التي تتخلى عن حماية أطفالها ونسائها تفقد مبرر بقائها الحضاري والأخلاقي. وفي المقابل، تظل تساؤلات الشارع العربي والإسلامي مشروعة وموجعة: أين قرارات الهيئات الدولية؟ وأين تفعيل أوراق الضغط السياسية والاقتصادية؟ وأين دور قوى محور المقاومة الأحرار في تغيير معادلات الردع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تحيل آلة الدمار غزة إلى مجرد ذكريات وركام؟
ووسط هذا الخذلان العربي والإسلامي الشامل، يبرز اليمن الأبيّ وقائده السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي حفظه الله كنموذج استثنائي وفريد؛ فبرغم ما يعانيه من جراح عميقة، ورغم الحصار الظالم وتبعات سنوات الطحن من قصف وتدمير بفعل تحالف العدوان السعودي والإماراتي والأمريكي والإسرائيلي، إلا أنه لا يزال الشعب العربي الوحيد الذي جعل من أمر أطفال ونساء غزة هماً يومياً وقضية كبرى لا تعلوها قضية، حاملًا القضية الفلسطينية في جرحه ودمه ونبضه الحي.
إن ركام غزة ليس مجرد حجارة سوتها الغارات بالأرض، بل هو شاهد إثبات أبدي على سقوط منظومة العدالة الدولية وتهاوي معاييرها المزدوجة كلما تعلق الأمر بالحقوق الفلسطينية المشروعة. وكل طفل يُنتشل من بين الأنقاض، وكل كفن يُلف به جسد نقي، يمثلان لائحة اتهام صارخة موجهة لكل صامت ومتخاذل، ودعوة ملحة للخروج من غيبوبة الموت إلى فضاء الفعل المؤثر والتضامن العملي الجاد.
إن دماء أطفال غزة وأنين نسائها لن تذهب سدى، وستبقى هذه الصرخات تطارد ضمائر كل من شارك أو سكت أو غض الطرف. التاريخ لا يرحم المتخاذلين، والجغرافيا وحدها لا تكفي لصنع الأوطان ما لم تحصن بالدماء والتضحيات والمواقف الصلبة. غزة اليوم لا تطلب تعاطفاً عابراً أو مناشدات باهتة، بل تطلب استعادة إنسانية مفقودة، وتحركاً عاجلاً يعيد للعروبة والإسلام نبضهما الحقيقي قبل أن يفوت الأوان وتغرق المنطقة بأسرها في كارثة أخلاقية وإنسانية لا يمكن تداركها.
