انقسام في مجلس الأمن ومخاوف من مخاطر كارثية:أي تداعيات سيفرضها مشروع القرار الأمريكي لحظر توريد السلاح إلى السودان؟
مع قرب انتهاء فترة سريان القرار الأممي 1591 بشأن حظر توريد السلاح لإقليم دارفور، استبقت الولايات المتحدة الأميركية الموعد المقرر في 12 سبتمبر المقبل، بتقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يدعو إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، ما أثار اعتراضات من جانب الخرطوم واعتراضات دولية من الصين وروسيا اللتين رفضتا المشروع لكونه سيؤدي إلى إضعاف فرص الجيش السوداني بإنهاء الحرب المستمرة منذ 4 سنوات.
تحليل / أبو بكر عبدالله
حالة جدول واسعة عمّت جلسة مجلس الأمن التي خصصت لبحث تطورات الحرب في السودان يوم 24 أغسطس الماضي، بعد أن أعلن مستشار الرئيس الأميركي للشئون العربية والأفريقية مسعد بولس تقديم واشنطن مسودة قرار لمجلس الأمن يقضي بفرض حظر على توريد السلاح على كل السودان بدلاً من القرار الأممي رقم 1591 الصادر قبل نحو 21 عاماً والذي فرض حظراً على توريد الأسلحة إلى الأطراف المتحاربة في إقليم دارفور.
المشروع الأميركي أنتج حالة انقسام في مجلس الأمن بين مؤيد لمشروع القرار مثل أميركا وفرنسا وبريطانيا، وموقف معارض تبنته الصين وروسيا التين اعتبرتا أن مشروع القرار يجرّد الجيش والحكومة السودانية من حق الحصول على السلاح وسط مخاوف من أن يقود إلى تغيير المعادلات الميدانية وإضعاف الجيش الذي يحقق تقدماً ميدانياً في العديد من جبهات الحرب ترجح إمكانية قدرته على الحسم.
أما السودان الرسمي، فقد أعلن مندوبه في الأمم المتحدة السفير الحارث إدريس رفض الخرطوم مشروع القرار كونه لن يوقف الحرب فعلياً بقدر ما سيمنع الجيش من استثمار تفوقه العسكري لحسم الحرب عسكرياً، ويعطي الدعم السريع فرصة للبقاء، ناهيك عن أنه يفرض على الدولة الدخول في تسوية مع قوة متمردة من موقع أقرب إلى التكافؤ أو ما اعتبره السفير الحارث «مساواة تقوض سيادة الدولة».
السفير الحارث أكد أن الخرطوم تعمل وفق خطة وطنية لحماية المدنيين، وأكد أن الحكومة أعدت خطة وطنية لحماية المدنيين خلال مرحلتي الحرب وبناء السلام، وأنشأت آلية لتنفيذها بمشاركة المؤسسات المعنية، مؤكد تحقيق هذه الآلية نجاحات بعودة نحو 5.8 ملايين نازح ولاجئ إلى مناطقهم حتى نهاية يونيو الماضي، بما يعني عدم الحاجة إلى قرار يستهدف تحسين الوضع الإنساني في السوداني.
مشروع القرار الأميركي
تضمن مشروع القرار الذي أعلنه المستشار الأميركي مسعد بولس، 4 قضايا رئيسية تصدرها توسيع حظر توريد السلاح إلى كامل الدولة السودانية، وإدخال المسيّرات وأنظمتها وتقنياتها في نظام الحظر، وزيادة عدد خبراء لجنة القرار الأممي 1591، مع تعزيز تعاونها مع لجان إقليمية أخرى لمراقبة خروقات حظر السلاح، بما عكس تغيراً لافتاً في التعاطي الأميركي مع الحرب المندلعة في السودان منذ 4 سنوات.
وفق الرؤية الأميركية، فإن القرار الأممي 1591 الصادر عام 2005 صُمم لمعالجة حرب دارفور بحظر تزويد الأطراف المتصارعة فيها بالسلاح، في حين أن الحرب المندلعة منذ أبريل 2023، بين الجيش وقوات الدعم السريع أصبحت حرباً شاملة وامتدت إلى كل أقاليم الدولة السودانية، في ظل استمرار أطراف إقليميين ودوليين توريد السلاح إلى السودان بعيداً عن القيود الدولية التي حددها القرار الأممي السابق، خصوصا وأن الحرب تحولت بعد دخول سلاح المسيّرات إلى صراع ذو أبعاد إقليمية.
اعتبرت واشنطن، أن قطع الدعم الخارجي الذي يغذّي استمرار الحرب هو القضية الأهم في معادلة الحرب السودانية اليوم وأن هناك حاجة إلى وقف الدول المتورطة في توريد السلاح إلى طرفي الحرب أو الضالعة في تمويلات مالية أو تكنلوجية للتوقف، خصوصا وأن الدعم العسكري والمالي والسياسي الخارجي للطرفين يغذي الحرب ويهدد بجر دول الجوار إلى الصراع.
وبررت مشروع قرارها الجديد بالاستخدام المتصاعد لطرفي الحرب لسلاح الطائرات المسيّرة الذي سمح للطرفين بضرب أهداف بعيدة نسبياً دون الحاجة إلى التفوق الجوي التقليدي، والحاجة إلى قرار جديد يمكنه التعامل مع حرب المسيّرات بما يجعل هذا السلاح والأنظمة والتقنيات المرتبطة بها مشمولة بالحظر.
ومن جانب آخر، أكدت أن مستوى التدخل الخارجي تزايد بصورة كبيرة بحيث حوّل السودان إلى ساحة تنافس إقليمي، في حين أن استمرار تدفق السلاح إلى السودان جعل الحل العسكري أكثر جاذبية لأطراف الصراع من التسوية السياسية، بما جعل الدعم الخارجي عاملا رئيسيا لاستمرار الحرب بلا نهاية.
ولكون الجيش السوداني غير قادر على إنهاء الدعم السريع عسكرياً بسرعة، ولا الدعم السريع قادر على إسقاط الجيش والدولة، فقد أبدت واشنطن مخاوف من أن استمرار تدفق السلاح سينقل الأطراف المتحاربة إلى حرب استنزاف طويلة بتداعيات إنسانية كبيرة، مع احتمال تطورها إلى حرب إقليمية أوسع، وهو ما عبّر عنه صراحة المستشار بولس عندما أكد أن «الدعم الخارجي يخاطر بجذب دول وجيران آخرين إلى الحرب».
أهداف سياسية خفية
رغم كل المبررات التي قدمتها واشنطن لدعم مشروع قرارها بما في ذلك رفع كلفة استمرار الحرب ودفع طرفي الصراع إلى مائدة المفاوضات، إلا أنها لم تخف هدفها السياسي بعد السماح بانهيار قوات الدعم السريع قبل الوصول إلى تسوية سياسية، اتساقا مع رؤيتها الداعمة لفكرة أن يكون مستقبل السودان نتيجة تفاوض سياسي لا نتيجة انتصار عسكري.
هذا الهدف لم يكن غائباً عن مداولات مجلس الأمن خصوصاً بعد أن أبدت بعض الأطراف مخاوف من أن يقود المشروع الأميركي إلى تغيير المعادلات الميدانية الجديدة بعدما أشرت إلى إمكان تحقيق الجيش السوداني حسما عسكريا من خلال تكريس واقع جديد على الأرض يمنع أي طرف من تحقيق انتصار مستدام بقطع مصادر التسليح الخارجية.
في كواليس مجلس الأمن، حاولت بعض الأطراف المؤيدة لمشروع القرار التأكيد بأن القرار الأممي 1591 صدر قبل نحو عقدين وفي جعبته العديد من الثغرات التي منحت بعض الأطراف الإقليمية والدولية تغذية طرفي الصراع بالسلاح وخاصة قوات الدعم السريع، كما أنه صدر لمعالجة حرب دارفور قبل أن تتحول الأزمة في السودان إلى حرب شاملة.
من ذلك أن القرار السابق نص على فرض حظر على توريد السلاح والمواد ذات الصلة إلى الجهات العاملة في دارفور، مع اشتراط وثائق المستخدم النهائي بالنسبة للتوريدات الأخرى إلى السودان، وهو ما جعل مكان الاستخدام النهائي عنصراً حاسماً في تطبيق نظام الحظر.
وهذا النظام جعل وصول السلاح على الخرطوم أو أي منطقة سودانية تقع تحت سيطرة الدعم السريع أو منطقة في دولة مجاورة تدعم قوات الدعم السريع غير محظور، ما دام لا يُنقل إلى طرف يعمل في دارفور بالمخالفة للحظر، ما منح الدول التي تورد السلاح إلى طرفي الحرب اليوم مساحة لتبرير ما تفعله بكون السلاح ليس مخصصا للاستخدام في إقليم دارفور.
والنطاق الجغرافي الضيق للقرار جعل إثبات المخالفة أصعب، وسمح لشبكات التسليح الخارجية بالعمل عبر شبكات سرية ودول وسيطة، ما جعل من الأهمية بمكان سد هذه الثغرات لكون الفصل بين إقليم دارفور المعني بالقرار السابق وبقية الأراضي السودانية أصبح شبه مستحيل.
ورغم أن محاولات واشنطن استخدام ورقة الثغرات في القرار الأممي السابق لتعزز مقترحاتها بالحاجة إلى قرار جديد يوسع الحظر ليشمل كل الأراضي السودانية، قد يكون فعالا في منع الدعم الخارجي للدعم السريع، إلا أن أطرافا دولية أخرى أكدت أنه سيؤدي في الوقت إلى تقييد الدولة السودانية والجيش أكثر مما سيقيد شبكات التسليح غير الرسمية وسيحرم الجيش السوداني من هامش التسليح الذي كان متاحاً له خارج إطار إقليم دارفور.
وطبقا لذلك اعتبرت الخرطوم والصين وروسيا مشروع القرار الأميركي الجديد، تغييراً في موازين الحرب، وليس مجرد سد ثغرة قانونية.
مخاطر استراتيجية
على أن مشروع القرار الأميركي تزامن مع انتهاء فترة القرار الأممي المقررة في 12 سبتمبر المقبل، إلا أن توقيته أثار مشاعر القلق لدى الخرطوم، كونه جاء في وقت بدأت فيه شوكة الميزان تميل لصالح الجيش بعد النجاحات الميدانية التي حققها في الآونة الأخيرة بالعديد من الجبهات واستعداداته للتقدم نحو المعاقل الرئيسية لقوات الدعم السريع في إقليم دارفور، كما جاء في وقت بدأت فيه تشكيلات الدعم السريع تتهاوى مع تصاعد انشقاقات بعض قادتها وقواتها التي كانت تسيطر على مناطق مهمة قبل أن تعلن الانضمام إلى قوات الجيش.
الأطراف الدولية المعارضة لمشروع القرار الأميركي بدت متفقة على أن الجيش السوداني يملك حالياً زخماً عسكرياً بسبب انتصاراته الأخيرة وأي حظر شامل على السلاح قد تيني عملياً إبطاء قدرة الجيش على استثمار تفوقه بما يعنيه ذلك من إطالة أمد الحرب وهو ما تحدث عنه مندوب روسيا في مجلس الأمن عندما قال إن توسيع نطاق الحظر يمكن أن يؤثر على فعالية الجيش السوداني.
وخلافا للرؤية الأميركية التي ذهبت إلى أن فرض حظر السلاح على طرفي الحرب سيقود إلى عودة الأطراف للمفاوضات، رأت الخرطوم أن توسيع الحظر يمكن أن يؤدي عملياً إلى تكبيل الجيش السوداني أكثر من الدعم السريع خصوصا وأن مجلس السيادة الانتقالي يحصل على إمدادات السلاح من طرق معروفة وبصورة شرعية، في حين أن قوات الدعم السريع تحصل على السلاح من طريق شبكات التهريب السرية العاملة على طول الحدود المفتوحة.
من جانب آخر، فإن قدرة الطرفين على الالتفاف على الحظر لن تكون متساوية، فالجيش السوداني يحتاج إلى شراء أسلحة وذخائر وقطع غيار وأنظمة دفاع جوي وطائرات ومسيّرات بصورة رسمية، عبر مؤسسات عسكرية شرعية، في حين أن قوات الدعم السريع تعتمد على شبكات تهريب معقدة وتمويلات خارجية وشبكات تجارية، وتهريب، وموردين غير رسميين.
الأخطر في مشروع القرار الأميركي ليس فقط عدم تضمنه تمييزاً واضحاً بين الدولة والجماعة المسلحة، بل أنه قُدم في إطار ما يمكن اعتباره « مساواة وظيفية» بين الشرعية والتمرد، ووضع أساسا قانونيا للمجتمع الدولي للتعامل مع الجيش والدعم السريع باعتبارهما طرفين متساويين في المسؤولية عن استمرار الحرب، في حين أن كل دول العالم تتعامل مع مجلس السيادة الانتقالي والجيش السوداني بوصفه الممثل الشرعي للدولة السودانية وليس فصيل مسلح موازٍ للدعم السريع.
ورغم كل المآخذ حول الطبيعة الانتقالية للحكومة القائمة حاليا في بورتسودان والجدل حول شرعيتها، إلا أنها تمثل السلطة المعترف بها إقليميا ودوليا وهي من يمثل السودان رسمياً في الأمم المتحد وسائر المحافل السياسية العربية والإقليمية والدولية ولديها سفارات عاملة في كل دول العالم، في حين أن الدعم السريع ليس أكثر من قوات شبه عسكرية غير نظامية خرجت من بنية الدولة ثم دخلت في حرب مفتوحة ضد السلطة القائمة وقوات الجيش.
وأكثر ما تخشاه السلطات السودانية هو أن يتحول مشروع القرار إلى رافعة تفاوضية بدلاً من كونه إجراء إنساني لحماية المدنيين وتحوله إلى أداة ضغط على السلطة القائمة، لمنعها من الحصول على احتياجاتها العسكرية لفرض السيطرة وإنهاء مظاهر التمرد والحرب، كما سيضع السلطة السودانية تحت طائلة ضغوط دولية تطالبها التفاوض مع قوة مسلحة تخوض حربا شعواء معها وتحاول تقسيم البلد بجغرافيا جديدة وحكومة موازية تضع السودان في أتون حرب أهلية قد تستمر لسنوات طويلة.
