القصف يحرم آلاف الغزيين من السمع .. حرب الإبادة تخلّف أزمة صحية صامتة في غزة

الثورة  /متابعات

لم تتوقف آثار حرب الإبادة على قطاع غزة عند أعداد الشهداء والجرحى، بل امتدت إلى إصابات سترافق آلاف الفلسطينيين مدى الحياة، أبرزها فقدان السمع الناتج عن الانفجارات المتواصلة.

فالقصف العنيف وما يولده من موجات ضغط هائلة أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أعداد المصابين بضعف السمع أو فقدانه، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من انهيار كبير ونقص حاد في خدمات التشخيص والعلاج.

وتشير تقديرات وزارة الصحة إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من مشكلات سمعية إلى نحو 55 ألف شخص، بينهم قرابة 35 ألف إصابة جديدة منذ اندلاع الحرب، بعدما كان العدد قبلها يقارب 20 ألفاً فقط.

انفجار غيّر حياته

يقول المواطن أبو أحمد المصري (46 عاماً)، من مدينة غزة، إنه فقد جزءاً كبيراً من سمعه بعد غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً مجاوراً لمنزله.

ويضيف: “بعد الانفجار مباشرة شعرت بطنين قوي في أذني، ولم أعد أسمع كما كنت. أطلب من الناس إعادة الكلام أكثر من مرة، وأحياناً لا أفهم ما يقال لي إطلاقاً، خاصة عندما يكون المكان مزدحماً”.

ويتابع: “راجعت أكثر من مركز طبي، لكن الإمكانيات محدودة، ولا توجد أجهزة أو سماعات متوفرة، فأصبحت أتعايش مع المشكلة رغم أنها تؤثر على عملي وحياتي اليومية”.

طفل ينتظر فرصة لاستعادة السمع

أما أم محمد، والدة طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات، فتقول إن ابنها أصيب بضعف شديد في السمع بعد قصف استهدف المنطقة التي نزحت إليها الأسرة.

وتوضح: “بعد القصف أصبح لا يستجيب عندما أناديه، وظننت أنه يعيش صدمة نفسية، لكن الفحوصات أكدت إصابته بضعف شديد في السمع”.

وتضيف بحزن: “كان من المفترض أن يخضع للعلاج وربما زراعة قوقعة، لكن الحرب دمرت كل شيء. أخشى أن يفقد مستقبله لأنه لم يعد يسمع أو يتواصل مع أقرانه كما كان”.

“الصدمة الصوتية الحادة”

من جانبه، يؤكد الدكتور محمد الخطيب، استشاري الأنف والأذن والحنجرة، أن الانفجارات الناتجة عن القصف تتسبب فيما يعرف طبياً بـ”الصدمة الصوتية الحادة” (Acoustic Trauma)، إذ تؤدي موجات الضغط المفاجئة إلى تمزق طبلة الأذن أو إتلاف الخلايا الحسية الدقيقة داخل القوقعة، وهو ما قد يسبب فقداناً دائماً للسمع.

ويقول في تصريح لمراسلنا إن غالبية الإصابات تتمثل في فقدان سمع جزئي يصاحبه طنين مستمر وصعوبة في فهم الكلام، بينما تحدث حالات فقدان السمع الكلي لدى الأشخاص الذين كانوا قريبين جداً من مركز الانفجار، نتيجة تدمير العصب السمعي أو الخلايا الحسية داخل القوقعة، أو بسبب إصابات الرأس المباشرة.

رحلة تشخيص صعبة

ويشير الخطيب إلى أن تشخيص إصابات السمع يبدأ بالفحص السريري لدى طبيب الأنف والأذن والحنجرة، ثم إجراء فحوصات متخصصة تشمل قياس ضغط الأذن، واختبار انبعاثات الأذن الصوتية، وتخطيط السمع بالنغمات النقية، إضافة إلى فحص استجابة جذع الدماغ السمعية (ABR)، وهو فحص ضروري للأطفال والحالات التي يصعب تقييمها.

ويوضح أن العلاج يعتمد على طبيعة الإصابة وسرعة التدخل، فقد يشمل العلاج الدوائي أو الجراحي، كما يمكن استخدام المعينات السمعية للحالات الخفيفة والمتوسطة، بينما تمثل زراعة القوقعة الحل الأمثل للحالات التي تعاني من فقدان سمع شديد أو كلي، إلا أن استمرار الحرب، ونقص الأجهزة والمستلزمات الطبية، جعلا الوصول إلى هذه الخدمات أمراً بالغ الصعوبة.

ويؤكد الخطيب أن الحرب لم تستهدف المرضى فقط، بل طالت أيضاً البنية التحتية الخاصة بخدمات السمع، إذ تعرضت عيادات وأجهزة التشخيص للتدمير، ما أدى إلى توقف معظم الخدمات التخصصية.

كما أدى تدمير أجهزة القوقعة الإلكترونية وملحقاتها وقطع الغيار إلى حرمان عشرات الأطفال الذين كانوا ينتظرون إجراء عمليات زراعة القوقعة من فرصة استعادة السمع، في وقت تتزايد فيه الإصابات يوماً بعد آخر.

ولا تقتصر آثار فقدان السمع على الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية والتعليمية والنفسية للمصابين، إذ يواجهون صعوبات في التواصل والتعلم والعمل، وسط تحذيرات من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى ارتفاع أعداد المصابين، وتحول فقدان السمع إلى واحدة من أخطر الأزمات الصحية الصامتة التي سيعاني منها قطاع غزة لسنوات طويلة.

قد يعجبك ايضا