ترامب وإيران.. رئيس يتخبط أمام خصم لم يفهمه بعد

 د. جواد عبدالوهاب

 

منذ عودته إلى البيت الأبيض، يتصرف دونالد ترامب وكأنه ما زال أسير القناعة نفسها التي حكمت سياسته تجاه إيران خلال ولايته الأولى: أن الضغوط القصوى والتهديدات العسكرية كفيلة بإجبار طهران على التراجع والقبول بالشروط الأمريكية. لكن ما يحدث اليوم يكشف مرة أخرى أن الرجل لم يفهم إيران، ولم يفهم طبيعة النظام الإسلامي الذي يواجهه، ولا الطريقة التي يتعامل بها مع الأزمات والصراعات.

ترامب، الذي يبحث عن إنجاز سياسي كبير يعزز موقعه قبل الانتخابات النصفية، بدا مقتنعاً بأن توجيه ضربات عسكرية لإيران سيمنحه صورة القائد الحازم الذي يفرض إرادته على خصوم الولايات المتحدة. إلا أن النتائج جاءت معاكسة تماماً لما كان يأمله.

فبدلاً من تحقيق نصر سياسي سريع، وجد نفسه أمام أزمة إقليمية أكثر تعقيداً. وبدلاً من فرض معادلة ردع جديدة، واجه رداً إيرانياً قلب حساباته رأساً على عقب. والأخطر من ذلك أن التصعيد لم يؤد إلى استقرار المنطقة أو تأمين طرق الملاحة، بل دفع الأمور نحو مزيد من التوتر والمخاطر الاقتصادية، حيث ردت عليه ايران بإغلاق مضيق هرمز.

تكمن المشكلة الأساسية في أن ترامب يتعامل مع إيران بعقلية رجل الأعمال الذي يعتقد أن كل طرف يمكن إخضاعه عبر رفع كلفة المواجهة عليه. لكن إيران ليست شركة تبحث عن تقليل الخسائر، وليست دولة اعتادت التراجع تحت الضغط. على مدى عقود أثبتت أنها مستعدة لتحمل أثمان باهظة مقابل الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية وهيبتها الإقليمية.

لقد أخطأ ترامب عندما افترض أن طهران ستكتفي بإصدار بيانات التنديد أو القيام بردود رمزية تحفظ ماء الوجه. فالإيرانيون يدركون أن أي تراجع غير محسوب سيُفسَّر داخلياً وخارجياً على أنه هزيمة، ولذلك اختاروا الرد بطريقة تضع واشنطن أمام معضلة جديدة بدلاً من أن تخرجها من المأزق.

التخبط الذي يطبع قرارات ترامب اليوم ليس ناتجاً فقط عن تعقيدات المشهد العسكري، بل أيضاً عن التناقض بين أهدافه السياسية ونتائج سياساته الفعلية. فهو يريد أن يظهر بمظهر القائد القوي، لكنه يجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع تداعيات قرارات لم تحقق الحسم الذي وعد به. ويريد تجنب حرب واسعة، لكنه يتخذ خطوات تدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد. ويريد طمأنة الأسواق، بينما تؤدي سياساته إلى زيادة القلق بشأن أمن الطاقة والتجارة العالمية.

المفارقة أن ترامب يقدم نفسه دائماً باعتباره الرجل الذي يفهم الخصوم أكثر من غيره، لكن التجربة مع إيران تشير إلى العكس. فبعد سنوات من العقوبات والتهديدات والعمليات العسكرية، ما زالت طهران قادرة على فرض وقائع جديدة وإرباك الحسابات الأمريكية كلما اعتقدت واشنطن أنها أمسكت بزمام المبادرة.

لقد أثبتت الأزمة الحالية أن المشكلة ليست في قوة الولايات المتحدة أو ضعفها، بل في سوء تقدير القيادة السياسية لطبيعة الخصم الذي تواجهه. فالدول لا تُدار بالشعارات الانتخابية، والأزمات الدولية لا تُحل بمنطق الاستعراض السياسي. وما لم يدرك ترامب أن إيران تفكر بعقلية مختلفة تماماً عن تلك التي يتخيلها، فإن مسلسل القرارات المرتبكة والنتائج العكسية مرشح للاستمرار.

ختاما، إن ما نشهده اليوم ليس دليلاً على نجاح استراتيجية ترامب تجاه إيران، بل على حدود هذه الاستراتيجية وفشلها في فهم الخصم الذي تحاول إخضاعه. فكل خطوة كان يفترض أن تقربه من تحقيق انتصار سياسي، تبدو وكأنها تدفعه نحو أزمة أعمق، وتؤكد مرة أخرى أن القوة وحدها لا تكفي عندما يكون الفهم غائبا.

* كاتب بحريني

قد يعجبك ايضا