يمثل يوم الغدير الثامن عشر من ذي الحجة محطة تأملية مفصلية في التاريخ الإسلامي تستحضر فيها الأمة واقعة غدير خم التي أرست دعائم القيادة الدينية والروحية، وهي مناسبة لا تقتصر على بعدها التاريخي بل تمتد لتكون دعوة متجددة للتكاتف والتراحم والالتزام بالقيم الأخلاقية التي دعا إليها الإسلام، وهو ما يجسده اليوم الشعب اليمني كركيزة أساسية من ركائز هويته الإيمانية، وتستند دلالات هذا اليوم إلى نصوص إسلامية جوهرية يحيي المسلمون ذكرى تعظيمها وتدبرها، فمن القرآن الكريم تشيرآية التبليغ في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، مرتبطة بواقعة الغدير إضافة إلى آية الإكمال (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، ومن كلام رسول الله خلدت واقعة الغدير بكلمته الخالدة في خطبته التاريخية من كنت مولاه فهذا علي مولاه وهو إعلان صريح ينظر إليه كمرجعية قيادية تهدف إلى حفظ تماسك الأمة ونهجها، ويحظى عيد الغدير في اليمن باهتمام رسمي وثوري واسع وعلى رأسه القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي الذي جعل من هذه المناسبة منطلقاً تربوياً وفكرياً يهدف إلى ترسيخ المرجعية الفكرية حيث يؤكد السيد عبدالملك أن الغدير هو تأسيس لمنهجية قيادية تحمي الأمة من التيه وتربطها بالقيم القرآنية ونهج أهل البيت كما يهدف هذا الاهتمام إلى بناء الهوية الإيمانية حيث يضع القائد هذه المناسبة في إطار تعزيز الحصانة الثقافية للمجتمع ضد محاولات المسخ والتدجين مما يصنع جيلاً واعياً بمسؤولياته إضافة إلى تعزيز مفهوم المسؤولية حيث يربط القائد بين الولاية وبين المسؤولية، حيث يرى أن الولاء للإمام علي هو التزام بالعمل والتضحية والنزاهة والوقوف في وجه الظلم، وتتحول المناسبة في اليمن إلى ظاهرة مجتمعية شاملة بفضل هذا الاهتمام القيادي، وتتعدد مظاهر الإحياء لتشمل إقامة المجالس والمحاضرات للذكر والإنشاد في مختلف المحافظات لاستعراض سيرة الإمام علي بن أبي طالب، وغرس دروس الزهد والعدل والشجاعة في نفوس الناشئة، كما تُنظم موائد الغدير الجماعية لإطعام الطعام وهو مظهر يعبِّر عن مبدأ المواساة وكسر حواجز الطبقية وتكتسي المدن والقرى باللون الأخضر وتُرفع اللافتات المعبرة مع تنظيف الأحياء وتزيين واجهات المنازل والمساجد فرحاً واحتفاءً كما تتحول المناسبة إلى فرصة لتبادل الزيارات بين الأهل والأصدقاء وتوزيع الحلوى وإدخال السرور على الأطفال مما يعزز قيم التراحم والتآخي، ولا يكتمل هذا المشهد الاحتفالي دون الدور البارز للإنتاج الأدبي الشعبي والزوامل اليمنية التي تعد الوعاء الحافظ لهذه الذكرى في الوجدان الجمعي اليمني حيث تتدفق القصائد والأشعار التي تمجد الإمام علي وتستلهم شجاعته وحكمته لتتحول إلى أناشيد وطقوس شعبية يتناقلها الناس في كل قرية ومدينة، إن هذه الزوامل والكلمات الشعرية لا تمثل مجرد تعبير عاطفي فحسب بل هي وثيقة ثقافية وفنية تحفظ قيم الولاء وتجدد عهد الارتباط بالمنهج النبوي وتضفي على المناسبة روحاً من الحماس والتفاعل الشعبي الأصيل الذي يربط ماضي الأمة بحاضرها.
إن إحياء عيد الغدير في اليمن ليس مجرد طقس عابر بل هو تجسيد للهوية الثقافية التي تربط الجيل الحاضر بالقيم الإسلامية الأصيلة، إن هذا التناغم بين الرؤية القيادية والتفاعل الشعبي يجعل من هذه الذكرى محطة سنوية متجددة لاستلهام الدروس في الثبات والوحدة والبذل ليبقى المجتمع اليمني متمسكاً بهويته الإيمانية التي تعزز تماسكه وقوته.
