هل تملي واشنطن شروطها أم تستجدي توازناً مستحيلاً؟

​بشار الشعلاني

 

​في مشهدٍ يتسم بالتعقيد الجيوسياسي، تتواصل رسائل التفاوض غير المباشر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة عبر الوساطة الباكستانية، لتكشف عن تحولات جوهرية في موازين القوى الدولية. ومن مصعد الدبلوماسية المفتوح الذي لا يزال يشهد حركة دؤوبة، يتراءى للعالم بوضوح أن واشنطن لم تعد تتفاوض من موقع قوة، حتى وإن لجأت إلى استعراض ترسانتها البحرية في المحيط، بعيداً عن المضيق، في محاولة يائسة لإخفاء تآكل نفوذها وتراجع هيبتها الاستراتيجية.

​على النقيض تماماً يبرز الموقف الإيراني، ففي مرحلة تاريخية لم يعد فيها التأثير الجيوسياسي حكراً على من ينتج الطاقة فحسب، بل على من يمتلك القدرة على فرض شروط بيعها وتأمين مساراتها، تثبت الإدارة الإيرانية الذكية قبضتها على أهم عنق زجاجة طاقوي في العالم. هذا المشهد لا يكتمل إلا بالنظر إلى جبهات الإسناد، حيث نجح حزب الله في تحويل المنطقة الجنوبية في لبنان إلى ساحة استنزاف دائم، مانعاً قوى الشر من فرض وقائع نارية أو التلويح بأوراق ابتزاز، لتظل تلك التخوم الخندق الأول لحماية الأمة والشوكة التي تدمي مخططات الصهيونية.

​ومع تمدد نيران المقاومة من غزة إلى الضفة الغربية، يعيش الكيان الصهيوني حالة ذهول حقيقية أمام إرادة شعب يرفض الانكسار، مؤكداً أن جذوة المقاومة أقوى من أن تُطفأ، وأن أحلام الحسم ضد غزة ليست سوى سراب في عقول الواهمين، بفضل بنية صمود صلبة تدمج بين العقيدة الراسخة والمرونة الميدانية العالية.

​إن هذه الصورة الممتدة من قشم إلى طولكرم، تضع العالم أمام حقيقة ساطعة: إسرائيل اليوم في حالة استنزاف شامل، وتآكل سريع في ركائز وجودها، حيث تتلاشى غطرسة الجبروت أمام صمود أسطوري. إن كل مؤشرات الواقع الميداني والسياسي تشي بأن مرحلة الهيمنة قد ولت، وأن كياناً قام على الطغيان والاحتلال يسير بخطى حثيثة نحو طي صفحته السوداء إلى الأبد، وهو أمرٌ تفرضه موازين الحق والعدل في صراع الوجود، وما ذلك على الله بعزيز. إن التساؤل الذي يفرض نفسه اليوم ليس عما إذا كان هذا الكيان سيزول، بل متى ستعلن واشنطن اعترافها بالواقع الجديد الذي فرضته شعوب المقاومة بإرادتها ودماء أبنائها؟

قد يعجبك ايضا