ترمب وهاجس اتفاق أوباما!

حمدي دوبلة

قبل يومين كنت أستمع إلى كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية -هو مصري الجنسية واستضافته قناة العربية-، حيث قال بالحرف الواحد “إن الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة أوباما في العام 2015م كان احترافياً ومهنياً وفعالاً وإن ترمب المهووس بأوباما وبتحقيق النصر الحاسم لن يستطيع مهما فعل أن يصل إلى اتفاق مماثل وأنه يحاول جاهداً البحث عن صيغة فضفاضة تظهره في ثوب المنتصر ولو على الورق”.
– في المشهد السياسي الراهن تبدو الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترمب وكأنها أسيرة هواجسها تتخبط في دهاليز الملف الإيراني وتبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه بعد سنوات من التصعيد غير المحسوب.
– التهديد الذي وُجّه إلى سلطنة عُمان.. تلك الدولة -التي عُرفت تاريخياً بحيادها وحكمتها في إدارة علاقاتها الإقليمية- يعكس فشلاً أمريكياً صارخاً في صياغة استراتيجية متماسكة تجاه إيران ومستوى متقدم من الارتباك الذي يطغى على أداء البيت الأبيض في هذه المرحلة الدقيقة.
– الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة باراك أوباما عام 2015م -وفق مراقبين ومختصين- كان محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الدولية، إذ نجح في وضع حدٍّ مؤقت للتوتر النووي الإيراني وفتح نافذة للتفاهم بين طهران والغرب، غير أن ترمب مدفوعاً برغبة جامحة في تجاوز إرث سلفه أصرّ على تمزيق ذلك الاتفاق متوعدا بإبرام صفقة “أفضل” وأكثر صرامة، لكن الواقع أثبت أن هذا الطموح لم يكن سوى سراب، فإيران لم تُبدِ استعداداً لتقديم تنازلات إضافية بناء على معطيات نتائج المواجهة الميدانية في مرتين  لتضطر واشنطن للتراجع إلى موقع المتفرج العاجز عن فرض رؤيتها وما يحقق رغبات وطموحات وغرور ترمب الذي يحاول أن يسوِّق نفسه على أنه صانع الانتصارات الحاسمة وبطل المعجزات السياسية غير المسبوقة.
– في هذا السياق جاء التهديد الأمريكي بنسف وتدمير سلطنة عُمان كدليل على ضيق الخيارات أمام الإدارة الأمريكية، فمسقط التي لعبت دور الوسيط في مراحل سابقة بين واشنطن وطهران تجد نفسها اليوم في مرمى الضغوط فقط لأنها تمثل نافذة للحوار الذي يفتقده ترمب.
– محاولة إخضاع دولة صغيرة مسالمة لا تحمل أجندة عدائية تكشف عن ارتباك استراتيجي وعن عجز في قراءة موازين القوى الإقليمية، حيث لم يعد التلويح بالقوة العسكرية أو العقوبات الاقتصادية كافياً لإحداث التغيير المنشود.
– هواجس ترمب بتسجيل إنجاز يتفوق من خلاله على اتفاق 2015م يبقى أكبر المخاطر أمام الولايات المتحدة وربما تُستدرج أكثر وأكثر الى عمق المستنقع الإيراني، فكلما زادت الضغوط ازدادت طهران صلابة وتماسكاً، وكلما ارتفعت سقوف التهديدات تضاءلت فرص التفاهم، وهكذا تتحول السياسة الأمريكية إلى دائرة مفرغة من التصعيد وردود الفعل دون أن تلوح في الأفق أي بوادر لحلٍّ يضمن المصالح المشتركة أو يحقق الاستقرار في المنطقة.
– اللافت أن هذا التخبط لا يقتصر على الملف الإيراني فحسب، بل يعكس أزمة أعمق في منهجية إدارة ترمب التي تفتقر إلى رؤية طويلة المدى وتعتمد فقط على ردود أفعال آنية تغلب عليها الحسابات الداخلية والرغبة في تسجيل نقاط سياسية سريعة.
– إصرار ترمب على تجاوز اتفاق أوباما وتحويل الملف الإيراني إلى ساحة لاستعراض القوة قد يفضي إلى نتائج عكسية ويقود الولايات المتحدة إلى خسائر أكبر ليس على مستوى علاقاتها مع إيران فحسب بل أيضاً في علاقتها مع حلفائها التقليديين في المنطقة، وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً فهو أن الغرق في المستنقعات يبدأ بخطوة صغيرة وأن التهديدات التي تُطلق دون حساب قد تتحول إلى قيود تكبّل صاحبها وتجعله أسيراً لخيارات لم يكن يرغب فيها.

قد يعجبك ايضا