خط الولايةُ.. السيف الذي كسر خيبر وأربك الصهاينة

أحمد الضبيبي

منذُ أن أشرق نورُ الإسلام في وجه عصور الظلام، كانت معركة الحق مع قوى الكفر والطغيان صراعًا وجوديًّا بين مشروع إلهيّ يريد للإنسان أن يتحرّر من عبودية الطغاة، ومشاريع شيطانية تسعى لإخماد نور الرسالة وتمزيق الأُمَّــة وإخضاعها لسطوة الهيمنة والاستكبار.

وفي قلب هذا الصراع المصيريِّ، برز الإمام علي -عليه السلام- بوصفه الامتداد الأعظم لرسالة السماء، والسيف الإلهي الذي شطر جباه الطغيان، والقلعة الإيمانية الراسخة التي تحطّمت على أسوارها مؤامرات اليهود والمنافقين والمتربّصين بالإسلام.

ولاية أمير المؤمنين -عليه السلام- فضلًا عن كونها مقامًا دينيًّا ومنزلةً تاريخية- كانت خط المواجهة الأول في الدفاع عن الإسلام، وروح الرسالة المحمدية التي واجهت عواصف الفتن والانحراف، وحفظت للأُمَّـة عقيدتها وهُويّتها وكرامتها.

ومنذ اللحظات الأولى لقيام الدولة الإسلامية، كان الإمام علي -عليه السلام- الحاضر في ميادين الجهاد الكبرى، حَيثُ تتكسرُ أمام بأسِه قلاعُ الغدر، وتتهاوى تحت ضربات ذي الفقار عروش التجبّر اليهوديِّ والاستكبار المعادي للإسلام.

فحين استحكم اليهود في حصون خيبر، وتدثّروا بغرور القوة، وتحصّنوا بأسوار شيّدتها أوهام الكبرياء والاستعلاء، كانوا يظنون أن بأسهم سيطفئ نور الإسلام، وأن قلاعهم المنيعة ستمنع عنهم سطوة الحق.

كانت ساحة خيبر على موعدٍ مع إعصار الله في الأرض، الإمام علي -عليه السلام-، الذي اندفع نحو حصون اليهود كالصاعقة المحرقة، يحمل في يمينه ذي الفقار الذي ما ارتفع إلا ليسقط عروش الباطل والكبرياء.

دارت رحى المواجهة المزلزلة، وما هي إلا لحظاتٌ حتى هوى الحارث وأخوه مرحب اليهوديّ وغيرهما صرعى تحت ضربات ذو الفقار، فتكسّر معهم غرور اليهود.

وانهارت أُسطورة قوتهم التي طالما أرعبوا بها الناس، لتتحول خيبر من قلعة بطشٍ يهودية، إلى شاهدٍ تاريخي خالد على أن ولاية الإمام علي -عليه السلام- كانت وما تزال السيف الإلهي الذي يحطّم جبروت الطغاة ويقتلع أوكار المؤامرات من جذورها.

ومنذ ذلك اليوم ارتبط اسمُ الإمام علي -عليه السلام- بكسرِ شوكة اليهود وإسقاط هيبتهم؛ لأنّ ولايةَ أمير المؤمنين ولاية مواجهةٍ واستنهاض وثورة دائمة في وجه الطغيان والاستكبار، ولم تكن يومًا ولايةُ خضوع أَو مساومة.

 

اليوم، وبعد قرون طويلة من الصراع، يعيد التاريخ إنتاج المشهد ذاته بأسماء جديدة وأدوات أكثر خُبثًا ووحشية، فالصهيونية العالمية، التي ورثت حقدَ أسلافها ومكرَهم، ما تزال تخوض حربًا مفتوحة ضدَّ الأُمَّــة، مستندةً إلى آلات إعلامية مضلِّلة، وقوات عسكرية متوحشة، ودعم استكباري عالمي يسعى إلى إخضاع الشعوب وكسر إرادتها ونهب مقدساتها وثرواتها.

وفي المقابل اليوم تتجدد المؤامرات ذاتها بثيابٍ أكثر خُبثًا ووجوه أكثر نفاقًا، حَيثُ انحدرت أنظمة عربية وإسلامية إلى درك الارتهان والتطبيع، حتى تحوّل بعض الحكّام إلى أبواق للمشروع الصهيوني، يقدمون فروض الولاء لأعداء الأُمَّــة، ويتخلون عن قضاياها المصيرية مقابل سراب الحماية والسلطة لكن وبرغم هذا السقوط الأخلاقي والسياسي، تبقى ولاية الإمام علي -عليه السلام- المنهج المقاوم الذي تستمدّ منه الأُمَّــة روح العزة والثبات، والحصن العقائديّ المنيع الذي يقف في وجه المشروع الصهيونيّ وأدواته الممتدّة في جسد الأُمَّــة من المنافقين والمتخاذلين وأرباب التطبيع والانبطاح.

لم يجرؤْ على مواجهة اليهود والصهاينة مواجهةً حقيقية صادقة إلا أُولئك الذين نهلوا من مدرسة علي -عليه السلام-، واستلهموا من نهجه ثقافة الجهاد والكرامة، وساروا على درب الولاية التي لا تعرف الخنوع ولا تنحني للطغاة.

إنهم أحفاد علي وأتباعه المقاومون، الذين يحملون في وجدانهم صدى ذي الفقار، وفي مواقفهم شجاعة خيبر، وفي عقيدتهم يقين المنتصرين.

لقد أثبتت الوقائع أنّ ولاية الإمام علي -عليه السلام- هي القلعة العقائدية الكبرى التي تحرسُ الإسلام من التحريف، والسدُّ المنيع الذي تتحطّم عليه مشاريع الهيمنة الصهيونية والاستكبارية.

فكما كانت ولايةُ أمير المؤمنين في فجر الإسلام الحصنَ الحصين الذي حمى الرسالة من مؤامرات اليهود والمنافقين، فإنها اليوم تمثّلُ الحصن ذاته الذي يصون الأُمَّــة من مخطّطاتِ الصهاينة ومؤامراتهم الهادفة إلى تفكيك المجتمعات، وإفراغ الأُمَّــة من هُويّتها الإيمانية والجهادية.

إن الصراع مع المشروع الصهيوني هو صراع وجودٍ وهُوية، وصراع عقيدةٍ وكرامة، وصراع حقٍّ متجذر في ضمير الأُمَّــة ضدّ باطلٍ مدجج بأدوات الهيمنة والاستعمار.

ومن هنا، فإن ولاية الإمام علي -عليه السلام- تبقى المنهجَ الأقدرَ على صناعة الوعي المقاوم، وإحياء روح العزة في النفوس، وتحصين الأُمَّــة من السقوط في مستنقع التبعية والانبطاح.

وكما تبختر الحارث ومرحَبٌ قديمًا خلف أسوار خيبر متوهّمين أن حصونهم ستمنعهم من بأس الحق، يتبختر اليوم مجرمو الحرب والطغيان العالمي، أمثال ترامب ونتنياهو، فوق جماجم الأبرياء وأشلاء الأطفال، ظانّين أن جبروت القوة وهيمنة السلاح قادرة على إخضاع إرادَة الشعوب الحرة وكسر روح المقاومة، غير أن التاريخ الذي شهد سقوط مرحبٍ تحت ضربات ذي الفقار، ما يزال حاضرًا بسننه التي لا تتبدل، وما تزال راية الإمام علي -عليه السلام- تخفق في ميادين المواجهة جيلًا بعد جيل.

فسيبقى سيف ذي الفقار، رمز الحقّ والعدل والبطولة الإيمانية، مشرعًا في وجه الطغاة والمستكبرين، تحمله أيادي أحفاد أمير المؤمنين والسائرين على خطِّ ولايته، أُولئك الذين لا ترهبهم حاملاتُ الطائرات، ولا تخيفهم غرف المؤامرات السوداء، ولا تثنيهم عواصف الحصار والتجويع والإبادة، إنهم الامتداد الحيّ لمدرسة علي -عليه السلام-، المدرسة التي لا تعرف الانكسار، ولا تسلّم راياتها للطغيان، ولا تساوم على الدين والكرامة والسيادة.

ومهما أوغل اليهود والصهاينة، في الإجرام والبطش والعربدة، سيظلون يواجهون الكابوسَ ذاتَه الذي واجهه أسلافهم في خيبر، كابوس الولاية التي لا تنطفئ، وسيف الحق الذي لا يغمد، والإرادَة المؤمنة التي لا تهزم، وكما سقط مرحبٌ والحارث تحت وقع بأس الإمام علي -عليه السلام-، فإن كُـلّ طاغية يسير على دربهم سيبقى مطاردًا بلعنة التاريخ، ومهدّدا بسقوط مدوٍّ أمام صمود رجال الولاية الذين جعلوا من الإيمان سلاحًا، ومن التضحية عقيدة، ومن مواجهة الظالمين طريقًا لا حياد عنه حتى يتحقّق وعد الله بنصر المستضعفين وكسر عروش الطغاة.

فولاية الإمام علي -عليه السلام- هي عقيدة مقاومة متقدة، ومدرسة إباءٍ لا تعرف الانكسار، وحصن إلهيٌّ تتكسر على أسواره كُـلّ مشاريع الهيمنة الصهيونية والاستعمارية، مهما تعاظم ضجيجُها، وتكاثرت جيوشها، وتغوّلت أدواتُ بطشها وإجرامها.

قد يعجبك ايضا