لا أشيع سراً إذا قلت إن الرد الأمريكي على إيران وبشروطه الخمسة أعجبني لأنه قطع طريق الدبلوماسية وما يسمى الحل السياسي، ولم يبقَ أمام إيران غير إكمال استعداداتها لمواجهة عدوان أمريكي جديد أو لمواصلة العدوان الأمريكي..
لو جاء في الرد الأمريكي ما يبقي على أمل أو ما يبقي على حد أدنى من التفاؤل فذلك هو ما يثير القلق لأنه يمثل إعادة تشكيلة أرضية العدوان لاحتمال ما تسمى مفاجأة، وذلك ما اعتادت أمريكا أن تتعامل به مع إيران..
فمن خلال الرد الإيراني ومن ثم الرد الأمريكي فإيران باتت في يقين أن أمريكا كأنما اتخذت قرار الحرب أو مواصلة العدوان بغض النظر عن وقته أو توقيته ربطاً بما يعني أمريكا من أوضاع داخلية ومؤثرات خارجية..
لعلي أعيد التذكير بتصريح المجرم الصهيوني «النتن» حين قال (إن وقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا سيمتد إلى ستة أشهر)، ولا يعنيني هنا نقصد السقف الزمني لـ «النتن» بقدر ما يعنيني مثل هذا الطرح بشراكة الأدوار والألعاب أمريكياً وإسرائيلياً..
أعجبتني عبارة في الخطاب والإعلام الإيراني تؤكد أن أي تفاوض بعد الحرب لا يمكن أن يكون كما كانت مفاوضات ما قبل الحرب، فهذه العبارة شخصت مشكلة أمريكية أو مشكلة لأمريكا ليس فقط مع إيران التي تريد التفاوض معها بعد الحرب كما كانت مفاوضات ما قبل الحرب، فأمريكا تريد أن تتعامل مع كل العالم وقضاياه بمعزل عن متغيرات عالمية واسعة وكاسحة، وتتبنى كأرضية لذلك فلسفة سفسطائية وشديدة السطحية..
لولا هذه المتغيرات العالمية الكبيرة والكاسحة ما كان الرئيس الأمريكي «ترامب» سيزور بكين وبطلب منه وليس بدعوة من الصين، وفيما هذه الزيارة تمثل اعترافاً أمريكياً واضحاً بالمتغيرات العالمية فأمريكا بترامبها تريد التعامل مع حالة إيران وغيرها من القضايا وكأن هذه المتغيرات لم تحدث ولا وجود لها..
الإعلام العالمي وجزء كبير من الإعلام الأمريكي تعامل مع زيارة ترامب على أنها بمثابة استجداء للصين للضغط على إيران، فيما إيران فهمت الزيارة أنها لدور صيني قادم وفاعل وتحديداً في التفاوض والمفاوضات وبغض النظر أن يكون الدور الصيني مستقلاً أو ملتحماً ومعززاً للوساطة الباكستانية..
عندما تسارع إيران إلى تعيين رئيس مجلس الشورى الإيراني «قاليباف» كمندوب للشؤون الخارجية فإن نفس الشخصية كان رئيس الوفد الإيراني في مفاوضات باكستان، وهذا يؤكد ارتباط تعيينه بالمفاوضات أكانت في باكستان أو الصين..
ما دام ترامب ذهب لاستجداء الصين للضغط على إيران فإيران ترد بموافقة ضمنية وعملية على وساطة الصين إن أراد ترامب أو وافقت أمريكا وبالتالي إن كانت أمريكا بردها أغلقت أبواب التفاوض وجعلت الحرب هي خيارها الوحيد فإيران وإن أجبرتها أمريكا على خيار الحرب أبقت على إمكانية وطرقت ذات الباب الذي طرقه ترامب وهو باب الصين..
هذا يطرح سؤالاً هو.. إذا أمريكا ذهبت إلى الصين لاستجداء الضغط على إيران، فهل لأمريكا أن تقبل وساطة صينية أو يستعان بها إلى جانب باكستان افتراضاً؟..
أن تستجدي أمريكا من الصين الضغط على إيران فذلك ممكن وذلك فعلاً حدث ولكنها لا ولن تقبل وساطة صينية ولا دور وسيط أو يستعان بوساطتها لأن الصين في وساطة أو دور في الوساطة لن تكون باكستان في التفعيل والتفاعل وفي التعامل..
وهكذا فأمريكا تريد ممارسة إملاءاتها على إيران ولا زالت في حلم استسلام إيران وتريد فرض شروط على أي وسيط أو وساطة وذلك ما لم تقبل به الصين..
روسيا قبلت وساطة الرئيس الأمريكي ترامب ولم تفرض عليه الشروط كوسيط وشروطها تطرح أو تفرضها في التفاوض، وهكذا لم تعد في فهم العالم لأمريكا لكنها في فهم أمريكا للعالم!!.
Next Post
