على امتدادِ عقودٍ من الزمن، سعت قوى الخارج إلى استهداف اليمن من خاصرته الاجتماعية الأهم، وهي القبيلة اليمنية التي عُرفت عبر التاريخ بأنها صمام أمان المجتمع، وحارسة الأرض والهُوية والقيم.
ولم يكن الرهان على إشعال الثأرات والنزاعات القبلية عملًا عشوائيًّا، بل سياسة مدروسة، هدفت إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإغراق المحافظات القبلية في دوامة الدم والفوضى، حتى تبقى بعيدة عن التنمية والاستقرار واستثمار ثرواتها وخيراتها.
لقد أدرك العدوان السعوديّ الأمريكي مبكرًا أن القبيلة اليمنية حين تتوحد تصبح رقمًا صعبًا لا يمكن كسرُه؛ لذلك عمل على تغذية الثأرات، وإحياء الأحقاد، وتوسيع دائرة التقطُّع والنهب والاقتتال، وتحويل بعض المناطق إلى ساحات استنزاف دائم، خُصُوصًا في محافظات الجوف ومأرب وعمران وصعدة، وهي المحافظاتُ التي تمتلكُ موقعًا استراتيجيًّا وثرواتٍ هائلةً وإمْكَانات زراعية ونفطية كبيرة.
ولم يكن إغلاقُ الآبار النفطية، ومنع الشركات من التنقيب، وتعطيل المشاريع، وتغذية الفوضى في تلك المحافظات، سوى جزء من مخطّط أوسعَ أُريد منه إبقاءُ اليمنيين غارقين في الصراع الداخلي حتى لا يتفرغوا للبناء والتنمية واستعادة قرارهم الوطني المستقل، بينما كانت الثرواتُ تُنهب، والحدودُ يُعبث بها، والآثار اليمنية تُسرَق، والمعالم التاريخية تُطمَّس، وسط صمت ممن كانوا يسمون أنفسهم -مجازًا- دولةً ذات سيادة.
غير أن السنواتِ الأخيرةَ، حملت تحوُّلًا لافتًا في وعي المجتمع اليمني عُمُـومًا، وأبناء القبائل خُصُوصًا، فبعد أن اكتوى الناسُ بنار الفوضى وعاشوا مرارةَ الثارات والانقسامات، بدأت تتشكَّلُ قناعةٌ واسعةٌ بأن معركةَ اليمن الحقيقية ليست بين أبناءِ القبيلة الواحدة، بل مع مَن يسعى إلى تمزيقِهم واستنزافِهم وإبقائِهم رهائنَ للفقر والتخلف.
وفي هذا السياق، جاءت دعوةُ السيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- إلى تفعيلِ وثيقةِ الشَّرَفِ القبلي، وإنهاء الثأرات، والتفرغ لمواجهة العدوان والحصار والبناء والإعمار؛ باعتبَارها خطوة مهمة لإعادة الاعتبار لقيم القبيلة الأصيلة القائمة على النخوة والإصلاح والتسامح وحِماية المجتمع لا تمزيقه، فتَمَّتْ معالجَةُ كثيرٍ من القضايا الداخلية، وحل النزاعات بين مختلف القبائل اليمنية، وانتشرت ظاهرة التصالح والتسامح.
وبدأت هذه المحافظاتُ جنيَ ثمار الاستقرار من خلال نهضة زراعية واسعة أذهلت القريب والبعيد، وبدأ الناسُ يلمسون ثمارَ الاستقرار بخطوات علمية وعملية دقيقة ومتسارعة نحو الاكتفاء الذاتي، خُصُوصًا في زراعة القمح والمحاصيل الزراعية الأُخرى.
واليوم يمكن لأي متابع أن يلحظَ حجم التحول الذي شهدته تلك المحافظات التي أُريد لها أن تبقى غارقةً في الدم، فقد بدأت مساحاتٌ واسعةٌ تتحوَّلُ إلى أراضٍ زراعية خضراء، واتجه أبناءُ القبائل نحو استصلاح الأراضي والعمل والإنتاج، وبدأ رأسُ المال المحلي يعود إلى الاستثمار والبناء بعد سنوات طويلة من الخوف والاضطراب.
وهذا الأمر لن تقبَلَ به القوى التي موّلت وغذّت ودمّـرت ونهبت وسرقت ثروات هذا الشعب، ولن تقفَ مكتوفة الأيدي؛ لأن الرواياتِ المتداولةَ في أدبياتهم وأفكارهم تقومُ على أن عِزَّ اليمن يمثلُ هزيمةً لمشاريعهم، مع أن هذا المفهومَ لا وجودَ له في شعب الإيمان والحكمة، ولذلك سيتحَرّكون في أدقِّ التفاصيل، ويستغلون كُـلَّ الأخطاء والسلبيات والهفوات، كما سيحاولون استغلالَ كُـلّ من لا يزال يجهلُ تلك السنوات العجاف، أَو من فقد مصلحته بانتهاء دائرة الدم ومستنقع العمالة والارتزاق.
لكن، بعون الله تعالى، أدرك الناسُ أن الأمنَ ليس مُجَـرّد تنظيم السلاح وتوجيهه نحو العدوّ الحقيقي فحسب، بل هو أَيْـضًا وجود فرص للحياة الكريمة، وأن التنميةَ مشاريع وطرق ومزارع واستثمارات وتعليم واستقرار اجتماعي، ولذلك لم تعد دعواتُ التحريض والنفير والثأر تجد الصدى ذاته الذي كانت تراهن عليه بعض القوى في الماضي.
ومن يرفعون اليوم شعاراتِ التحشيد وإثارة العصبيات تحتَ عناوين عاطفية، ويتناسَون كُـلَّ تلك الدماء البريئة ودموع الثكالى وأشلاء الأطفال والنساء التي أُزهقت بطيرانِ العدوان السعوديّ الأمريكي، ويبحثون عن حرف مسارِ المعركة الحقيقية والعدوّ الحقيقي، لا يقدِّمون حَلًّا لليمنيين بقدر ما يحاولون إعادةَ عقارب الساعة إلى الوراء؛ لأن إشعال الفوضى أسهل بكثير من صناعة الاستقرار؛ ولأن الحروب يدفع ثمنها البسطاء، بينما يجلس المحرِّضون بعيدًا عن ميادين المعاناة.
لقد تعلَّم اليمنيون من تجارِب السنوات الماضية أن القبيلة حين تتحوَّلُ إلى أدَاةٍ للصراع يخسر الجميع، وأن الحكمةَ الحقيقيةَ تكمُنُ في إطفاءِ الحرائق لا إشعالها، وفي جمع الصَّفِّ لا تمزيقه، وفي تحويل البندقية من وسيلة اقتتال داخلي إلى قوة تحمي الأمن والسيادة والاستقرار.
أبناءُ الجوف ومارب وعمران وصعدة وغيرهم ممن ذاقوا ويلات الفوضى، لم يعودوا كما كانوا بالأمس، فقد تغيَّرت الأولويات، وتبدَّلت القناعات، وأصبح البناءُ والإعمارُ واستصلاحُ الأرض وحماية السلم الاجتماعي أهدافًا أكثر حضورًا من دعوات الثأر والاقتتال.
وما لم يتحقّق عبرَ سنوات طويلة من الحروب والتغذية الممنهجة للفوضى، لن يتحقّقَ اليومَ عبرَ حملات التحريض والهشتاقات وخطابات الانفعال؛ لأن الوعيَ الشعبيَّ بات أكثرَ إدراكًا بحجم المؤامرات التي تستهدف أمن اليمن واستقراره ومستقبله.
إن اليمنَ الذي صمد في وجه العدوان والحصار من قبل أسرة آل سعود، قادرٌ أَيْـضًا على الانتصار في معركة الوعي والبناء، وقادرٌ على حماية نسيجه الاجتماعي من محاولات التفكيك والإغراق في الصراعات الصغيرة؛ لأن الشعوبَ لا تُبنَى بالثارات بل بالتسامح، ولا تنهَضُ بالفوضى بل بالاستقرار والعمل والإنتاج.
واليوم تبدو الحاجةُ أكبرَ من أي وقت مضى إلى خِطاب يجمع ولا يفرّق، ويعزز قيم التعايش والتصالح، ويرسّخ ثقافة البناء بدلًا من إعادة تدوير الأزمات؛ لأن اليمنَ المتعَبَ لا يحتمل مزيدًا من النزيف؛ ولأن المستقبل لا يصنعُه دعاةُ الفوضى، بل أبناءُ الحكمة الذين يدركون أن أعظمَ انتصار هو أن يتحوَّلَ الألمُ إلى وعي، والدمار إلى مشروع نهوض وحياة.
Prev Post
