لم تكن “تنومة” مجرد نقطة جغرافية في عسير، بل كانت شاهدة على واحدة من أبشع جرائم التاريخ الحديث، حيث اختلطت دماء الحجيج اليمانيين بتراب الأرض وهم في طريقهم إلى بيت الله الحرام. لم يقتلوا في ساحة معركة، ولم يسقطوا وهم يحملون السلاح، بل سقطوا وهم يلبون نداء الخليل إبراهيم، مجردين من كل شيء إلا إيمانهم وزادهم البسيط.
الغدر في الشهر الحرام.. حين يُنتهك الدم والمقدس
في عام 1341 هجرية، ارتكبت قوات النظام السعودي الناشئ آنذاك مجزرة يندى لها جبين الإنسانية. أكثر من ثلاثة آلاف حاج يمني، ذبحوا بدم بارد تحت مبررات واهية صاغتها عقول أدمنت القتل وتغذت على فتاوى التكفير.
الضحايا: حجاج عزل، شيوخ، وشباب.
الجريمة: القتل العمد لمؤمنين يقصدون الركن الخامس من أركان الإسلام.
التوقيت: في الأشهر الحرام التي عظمها الله، لكن النظام الذي تلبس بلباس الدين لم يلقِ لها بالاً.
من بريطانيا إلى الصهيونية.. جذور النشأة والعمالة
إن الربط بين ما حدث في “تنومة” وبين السياسة الحالية للنظام السعودي ليس مجرد استنتاج، بل هو قراءة في سجل تاريخي بدأ برعاية بريطانية استعمارية. هذا النظام الذي غُرس في قلب الأمة العربية، لم يكن يوماً نصيراً لقضاياها، بل كان الأداة الأولى لتمزيق النسيج الإسلامي من الداخل.
“إن الفتاوى التي استباحت دماء الحجيج في تنومة هي ذاتها الفتاوى ‘الوهابية’ التي تُستخدم اليوم لتبرير العدوان والحصار على الشعب اليمني الصامد.”
لقد كشفت الأيام أن هذا النظام، الذي يدعي خدمة الحرمين، هو أول من طعن القضية الفلسطينية في الظهر، وهو الذي لم يجد حرجاً في التحالف مع القوى الصهيونية لضرب جيرانه وإخوته في العقيدة والعروبة.
تنومة والعدوان المعاصر.. وجهان لعملة واحدة
ما يشهده اليمن اليوم من حصار جائر وعدوان مباشر ليس إلا امتداداً لعقلية “تنومة”. النظام الذي لم يراعِ حرمة الحجيج قديماً، لن يراعي حرمة الأطفال والنساء والمدنيين حديثاً.
التضليل الديني: استخدام “المشايخ” كأدوات لتمرير أجندات سياسية تخدم الاستعمار.
الحقد الدفين: محاولة تركيع الشعب اليمني وتدمير هويته وتاريخه.
الولاء للأجنبي: تقديم مصالح القوى الكبرى والصهيونية على مصالح الأمة وشعوبها.
دعوة للذاكرة: لماذا يجب أن تُدرس “تنومة”؟
إن محاولة طمس معالم مجزرة تنومة من الذاكرة الجمعية هي جريمة ثانية بحق الشهداء. يجب أن تعود هذه الحادثة إلى صدارة الوعي الشعبي، وأن تدرج في المناهج الدراسية ليعرف الأجيال:
من هو العدو الحقيقي الذي يتربص باليمن؟
كيف استُخدم الدين كغطاء للمشاريع التوسعية والدموية؟
إن الدم اليمني غالٍ، ولا يسقط بالتقادم مهما طال الزمن.
إن دماء شهداء تنومة ستظل صرخة في وجه الطغيان، ونبراساً يكشف زيف النظام الذي تلبس برداء “خدام الحرمين” وهو في الحقيقة لا يخدم إلا مشاريع التجزئة والارتهان للصوت الصهيوني العالمي.
ختاماً: إن التاريخ لا يرحم، واليمن الذي صمد أمام عواصف الغدر عبر العصور، سيظل الشوكة في حلق كل من تسول له نفسه استباحة أرضه ودمه، وستبقى “تنومة” الشاهد الحي على غدر آل سعود الذي لا ينتهي.
