استراتيجية الصمود.. الوحدة اليمنية نواةً للتكامل الإسلامي ومحور المقاومة

القاضي/ حسين بن محمد المهدي

 

 

​{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ}

​مما لا ريب فيه أن صمام الأمان لبقاء الأمة الإسلامية قوية مترابطة متماسكة في مواجهة أي خطر هو توحدهم؛ فمهما اختلفت ديارهم، وتباينت أوطانهم فإنهم يكونون إخوة متحابين متعاونين متوادين متحابين متعاونين متناصرين، يشهد لذلك قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”. وقوله: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.

​فحب المؤمنين بعضهم بعضاً وتعاونهم وتناصرهم ليس شرطاً في صحة الإيمان دينياً فحسب، وإنما لأن مصلحة المسلمين الدنيوية تدعو إليها، فبقاؤهم وقوتهم وعزتهم منوطة بها. فكل أمة في أي قطر من أقطار الأمة إذا احتل أرضها وتكالب عليها الأعداء قد تضعف ما لم تكن بقية المؤمنين في الأقطار الإسلامية متعاونين معها؛ فبذلك تقوى وتعز. فالإسلام دين الوحدة والتوحيد؛ الوحدة في العبادة، والوحدة في التضامن، والوحدة في التعاون والتناصر والواجبات والحقوق.

​وحدة اليمن: النواة الأولى لتوحيد الأمة

​وتعتبر وحدة اليمن في هذا العصر النواة الأولى لتوحيد الأمة، فمصلحة اليمن والأمة جميعاً قائمة في ذلك، واليمن تستفيد من الوحدة، ولا تستفيد من التشرذم والافتراق والاختلاف؛ فالوحدة قوة وإخوة وتواصل واجتماع، ولا تستفيد من التشرذم والافتراق إلا أعداء الأمة الإسلامية. فتجانس المجتمع وتعاونه يعتبر عاملاً رئيسياً لترسيخ الوحدة بين أفراده.

​كما أن تفكك اليمن تحت أي شعار مذهبي أو طائفي أو سياسي إنما يُمكّن الأعداء من الوصول إلى أهدافهم، والقضاء على سيادتهم واستقلالهم وعلى مكانتهم السياسية والاجتماعية، ويُمكّن الأعداء من السيطرة على ثرواتهم.

إنَّ الانتقال من دائرة الشعور الوجداني بالوحدة إلى حيّز التنفيذ الإستراتيجي هو التحدي الأكبر الذي تواجهه الأمة اليوم؛ فالوحدة ليست مجرد شعيرة تعبدية فحسب، وإنما هي ضرورة جيوسياسية في عالمٍ لا يحترم إلا التكتلات القوية. إنَّ ما يشهده الميدان حالياً من تكاملٍ بين جبهات المحور —من اليمن الحكمة إلى فلسطين الصمود، ومن لبنان المقاومة إلى العراق والجمهورية الإسلامية في إيران — هو الترجمة العملية لمعادلة (وحدة الساحات)، التي أثبتت أنَّ أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ. إنَّ السعي للسيادة الكاملة وتطهير المقدسات وحماية الممرات الملاحية والثروات الوطنية لا يمكن أن يتحقق بسياسات منفردة، وإنما بالتلاحم الذي يكسر قيود التبعية الاقتصادية والعسكرية التي فرضها الاستكبار العالمي، محولاً ‘الجغرافيا’ من عبءٍ حدودي إلى ‘سلاحٍ’ استراتيجي يحمي الأمة ويصون كرامتها.

​الإيمان وأثره في عزة المؤمن وحماية الأوطان

​فمن الأمور التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن المحافظة على الأوطان والوحدة، وعدم التفريط بها والتخلي عنها، ففي ذلك دليل على صحة الإيمان بالله، فـ {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ}. فلا يخدعنك أخي المؤمن ما يحيك الأعداء لك؛ فلا الثراء الفاحش، ولا القصر المرصع المنيف، ولا المال المكدس الوافر ينفع قلباً ضعيف الإيمان، وإنما تزيده طمعاً وجشعاً.

​فسرّ قوة الإنسان هو رصيد ما في قلبه من إيمان: {وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّـهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}، وقد وعد الله أهل الإيمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة: {مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبةً}، {وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَ لا هَضْماً}. فالإيمان بالله يزيل الهم والغم من حياة الإنسان، ويزيده قوة وفتوة لأنه معتمد على من بيده أمور الدنيا والآخرة: {وَ لا تَهِنُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

​مقاييس الرفعة والتمكين في الأرض

​فإنما يتفاوت الناس في أقدارهم على مقدار إيمانهم وأعمالهم، وإنما الرفعة والتمكين في الأرض والعزة للمؤمنين {وَ لِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ}؛ فرافع كل شيء ومعليه هو الحكيم العليم، وقد وعد برفع المؤمنين فقال سبحانه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ}. فالإيمان يبعث في الإنسان الشجاعة والعزيمة ويدفعه إلى الإخلاص والجهاد في منازلة الأعداء، والسعي إلى التوحد والاتحاد؛ فذلك ما يزيح عن كاهله وصدره هموم الحياة ومتاعبه:

إِذا الروحُ يوماً هَفَت للعُلا

فَلا بُدَّ أَن تَنتَشي بِالظَفَر

وَلا بُدَّ لِلفَجرِ أَن يَستَجيب

وَلا بُدَّ يحظى بِنورِ البَصَر

وَمَن لَم يُحَرِّك سُكونَ الرُكود

بِجَمرِ الطُموحِ لَظىً وَاستَعَر

تَمادى بِهِ اليَأسُ في دَهرِهِ

وَغادَرَ دُنياه بَذلَ المَدَر

فَلَيسَ الجُمودُ شِعارَ الحَياة

وَلَيسَ الرُكودُ سَبيلَ الغِيَر

فَإِذا ما الطُموحُ سَرى في النُفوس

فَلا بُدَّ أَن يَستَجيبَ القَدَر

​المسؤولية الإيمانية ونصرة المستضعفين

​إن توحد الأمة الإسلامية هو السلطان الوحيد لقهر سلطان أعدائها؛ لأن الإيمان بالله ثم بالوحدة فيه نجاة من عذاب الله وفوز برضوانه، قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. وفي الحديث: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا”، وفي حديث آخر: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”.

​فالمؤمنون اليوم معنيون بالعمل على توحيد الأمة، والمحافظة على الأخوة، ونصرة فلسطين والجمهورية الإسلامية في إيران وحزب الله في لبنان والعراق وأنصار الله في يمن الإيمان والحكمة. فقوي الإيمان لا بد أن يكون مجتهداً في عمله، مجداً في اجتهاده ومناصرته لإخوانه، ففي الحديث النبوي: “الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأحبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ”. {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَ إِنَّا لَهُ كاتِبُونَ}، {وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

عضو رابطة علماء اليمن

قد يعجبك ايضا