خليل المعلمي
مع التقدم المتسارع في الجوانب التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي وطريقة الاعتماد على هذه الوسائل في كل شاردة وواردة، وبالأخص تقنية الذكاء الاصطناعي بدأت الشكوك والخوف تنتاب الكثير من دور النشر العالمية تجاه الكتاب المبتدأين، وذلك من احتمال استخدامهم لهذه التقنية. والكثير من هؤلاء الكتاب أيضا قلقون من رفض دور النشر من استقبال أعمالهم..
فهل سيشكل ذلك تراجع في صناعة النشر أم سيشجع الكثير على الاعتماد على هذه التقنية في الكثير من الأعمال.
في خريف العام الماضي، أنهى “أنطونيو بريسيو” استشاري هندسي مقيم في “غوادالاخارا” بالمكسيك، مسودة روايته الأولى، وهي رواية خيال علمي مثيرة تدور حول مؤامرة حكومية لطمس تاريخ أول اتصال للبشرية مع لاجئين فضائيين.
وبعد مراسلة عشرين وكيلاً أدبياً وتلقيه سلسلة من الرفض، أمضى عدة أشهر في مراجعة روايته، بجهد كبير على أمل أن يقع على ناشر يوماً ما.
يساور القلق “بريسيو” من أن عملية الحصول على عقد نشر، وهي عملية شاقة بطبيعتها لمؤلف مبتدئ قد ازدادت صعوبة، ويخشى أن يتجنب الوكلاء والناشرون مخاطرة التعامل مع مؤلفين غير معروفين، خشية أن يكونوا قد استعانوا بالذكاء الاصطناعي في كتابة روايتهم.
اللافت أن حالة الذعر والريبة حيال الكتب المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي تفاقمت الشهر الماضي، عندما قررت دار نشر کبری “هاشيت”، إلغاء إصدار رواية “الرعب فتاة خجولة” للكاتبة “ميا بالارد” في الولايات المتحدة، بسبب أدلة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في كتابتها.
كما سحبت دار “هاشیت” الرواية من المملكة المتحدة، بعد أن أطلقتها بالأسواق العام الماضي، بعد إقدام “بالارد” على نشرها بنفسها، بادئ الأمر.
وعندما علم “بريسيو” عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بقرار عدم قبول روايته انتابه شعور مؤلم بخيبة الأمل، وأكد أنه لا يستعين بالذكاء الاصطناعي في الكتابة، إلا لترجمة كلمة أو عبارة عابرة من لغته الأم الإسبانية إلى الإنجليزية، التي يتقنها كذلك باستخدام برنامج الترجمة بالذكاء الاصطناعي “ديبل” (Deepl)، غير أنه تساءل عما سيقوله نظام كشف الذكاء الاصطناعي عن عمله.
وعليه، اشترك في موقع Originality.ai وحمل فصلاً من روايته، وكانت المفاجأة أن أكد النظام بثقة تبلغ 100 ٪ أنه اعتمد على الذكاء الاصطناعي بطريقة ما.
وبالفعل، بحث “بريسيو” عن العبارات التي توقف عندها النظام، وحذف بعض الجمل، ثم أعاد تشغيله هذه المرة، أكد البرنامج بنسبة 100 ٪ أن كاتباً بشرياً يقف خلف هذا النص في نهاية المطاف، أجرى “بريسيو” محادثة عبر الدردشة مع أحد ممثلي خدمة العملاء الذي أخبره أنه إذا تلقى نتائج تُصنف عمله خطأ باعتباره مولد بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يحتاج إلى نسخة مختلفة من البرنامج.
ولم تسفر هذه المراسلات إلا عن مزيد من القلق لدى “بريسيو” خاصة وأن تقارير موقع Originality.ai حول مسودته التي شاركها مع صحيفة “التايمز”، كشفت أن إضافة أو حذف بضع جمل فقط يفضي إلى نتائج مختلفة تماماً.
وعن ذلك، علق “بريسيو”: ماذا لو بدأ الناشرون أو الوكلاء الأدبيون بتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي هذه على الجميع؟ سيتعامل الجميع بحذر شديد من الآن فصاعداً.
وفي الوقت الذي يصارع قطاع النشر، مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب العمل تقريباً، يبدو أن هناك إجماعاً ضئيلاً حول ما يمكن أو ينبغي للناشرين فعله لتنظيم كيفية استخدام الكتاب لهذه التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن ما يتفق الكثيرون حوله اليوم أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار.
حالياً يواجه عدد متزايد من الكتاب شكوكاً لا أساس لها حول استخدامهم للذكاء الاصطناعي، بينما يستخدمه آخرون دون الإفصاح عنه في الوقت ذاته يشعر الكثير من القراء بالحيرة والحذر لعدم معرفتهم ما إذا كانت الكتب التي يقرأونها من تأليف إنسان أم آلة.
في سياق متصل، جابه عدد من المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم انتقادات لاذعة من القراء وأقرانهم الكتاب على حد سواء، لاستعانتهم الواضحة بالذكاء الاصطناعي، غير أن الجدل الدائر حول رواية الفتاة الخجولة قد يُشكل نقطة تحول على صعيد صناعة النشر بأكملها.
في أعقاب إلغاء نشر الرواية، تساءل الكثير من القراء والكتاب عن كيفية فشل دار نشر كبرى، في رصد دلائل على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة.
وقد اشتكى معلقون عبر منصتي “غود ريدز” و”ريديت” على مدار شهور، مما وصفوه بأنه دليل واضح على استخدام لغة برامج الدردشة الآلية، ودفعت هذه الفضيحة بعض القراء إلى التساؤل عن مدى تدقيق دور النشر للأعمال التي تستحوذ عليها.
في هذا الصدد، صرحت “أندريا بارتز”، كاتبة روايات الإثارة، التي كانت المدعية الرئيسة في الدعوى الجماعية التي رفعها مؤلفون ضد دار نشر “أنثروبيك”، بأنه: “ندخل الآن عصر انعدام الثقة، حيث لا توجد طريقة سهلة لإثبات صدق كتاباتك”.
الجدير بالذكر أن الدعوى انتهت بالاتفاق على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار.
حديثاً، أدخلت “بارتز” بعض كتاباتها في برنامج “إيس” لرصد الذكاء الاصطناعي، وفوجئت عندما صنف البرنامج عملها باعتباره مولد بواسطة الذكاء الاصطناعي بنسبة 82 ٪، وبعد ذلك، اقترح عليها البرنامج حلاً: هل ترغبين في إضفاء طابع إنساني على نصك؟.
وعندما كتبت “بارتز” عن تجربتها على منصة “سبستاك”، شاركها عشرات الكتاب. وعلقت الروائية “رينيه دينفيلد”، قائلة: “أعتقد أن هذا ما يحدث عندما تتعرض كتبك للسرقة، بغية برمجة الذكاء الاصطناعي”، مشيرة إلى أن برنامجاً لكشف الذكاء الاصطناعي، قد صنف كذلك بعض كتاباتها بشكل خاطئ، باعتبارها مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
في الإطار ذاته، قالت “جين فريدمان” استشارية بمجال النشر: “يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لصناعة النشر”.
اللافت أن معظم دور النشر الكبرى لا تملك قواعد واضحة بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي للمؤلفين وإنما تكتفي بالاعتماد على الثقة وتوقع الشفافية من الكتاب، غير أنه مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتب بطرق عديدة، من البحث إلى التحرير إلى صياغة الجمل، يسود الارتباك حول أشكال استخدامه التي تتجاوز الحدود ويتزايد الخوف من أن الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز، بل وستتجاوز حدود المحررين المحترفين.
من ناحيتها، عندما سمعت “راشيل لويز أتكين”، التي تتولى مراجعة الكتب على مواقع “غود ريدز” و”إنستغرام” و”تيك توك” لآلاف المتابعين لأول مرة عن رواية فتاة خجولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدت لها الرواية وكأنها ستنال إعجابها – قصة رعب نسوية أسرة وملتوية- وبالفعل التهمت الرواية في يوم واحد وأوصت بها على نطاق واسع، وقالت إنها صدمت عندما علمت بسحبها ، بسبب أدلة تشير إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.
