أنشودة العفاسي تضع «شاهد» على قبر الوهابية السياسية

طوفان الأقصى وبأرقام الفضاء الإلكتروني الواقعي وجّه ضربة لمشروع تقسيم الأمة واستنهض الفئة الصامتة

● سجال الأناشيد السياسية يكشف تنور الفكر العربي وتحوله عن منابر الخليج ورموزه المضللة
● الوهابية السياسية تعجز عن حشد الأتباع طواعية في لحظة بلغت النار معاقلها وقواعد أسيادها

 

الثورة  / إبراهيم الوادعي

في أقل من 48 ساعة على نزولها، حصدت أنشودة الناشط عبد الله الشريف غناء ولحن الذكاء الاصطناعي ما يقارب 3 ملايين مشاهدة، وهي رد على الأنشودة السياسية لمشاري العفاسي القارئ السابق والمنشد الحالي ضد ايران ومحور المقاومة و حققت على مدى أسبوع ما يقارب مليوناً وسبعمائة الف مشاهدة قد لا تكون واقعية بالنظر إلى سيطرة السعودية والإمارات على مراكز إقليمية للشركات مثل يوتيوب وتويتر وفيسبوك.

وبالنظر إلى الردود السلبية في مجمل التعليقات، وخلو المنشورات المتصلة بالموضوع تماما من منشور يؤيد العفاسي في من أي ناشط عربي، كان لافتا غياب الناشطين الخليجيين عن تأييد العفاسي حتى لا يتعرضوا للحرق المعنوي، وربما خشيت ذلك الجهات التي دفعت العفاسي توفيرا للأوراق .

أجبرت الردود والتعليقات العفاسي على الرد مرتين متتاليتين في ساعات برز فيهما مفتقدا الحجة ومهتزا لا يملك سوى الاستدلال بوجود الحرمين في جغرافية دول الخليج مع أنها جغرافيا سياسية اصطنعتها يدي سايكس بيكو وليست جغرافيا طبيعية، لتحديد بوصلة الحق كما يقول.

وأعاد بطرحه إلى الأذهان الأسطوانة السعودية التي لم يصدقها أحد لتشويه انصار الله في اليمن عبر اتهامهم باستهداف مكة والمدينة، رابطا بشكل عبيط «جغرافية الحرمين بتحديد بوصلة الحق»، ومتناسيا أن أصنام قريش بالمعامل الجغرافي الذي يستدل به كانت تملأ الجزيرة العربية وحول الكعبة.. والأمر ينسكب اليوم على أصنام الترفيه التي يقودها محمد بن سلمان وينصبها تركي آل الشيخ، اذا ما كانت بوصلة الحق الذي يراه العفاسي وأمثاله..

الأرقام والردود الغاضبة على أنشودة مشاري العفاسي فقيه السلاطين تكشف عن أهم إنجازات طوفان الأقصى على الصعيد العربي والإسلامي والدولي، وهو كي الوعي العربي وإعادته إلى الخطوط الواضحة للعدو ومن هو الصديق، ودوليا صارت الصهيونية تواجه وضعا صعبا للغاية على مستوى دول الاتحاد الأوربي من التحدي للكيان الإسرائيلي والكراهية المطلقة لليهود وتأكد شرهم المطلق، التحركات الحاشدة الممتدة من إسبانيا إلى هولندا تنطق بذلك، وحتى داخل الولايات المتحد كشفت مراكز دراسات الرأي العام عن التأييد للصهيونية وإسرائيل هو في ادنى مستويات بين الشباب.

خلال عامين من الإبادة في غزة لم يتحرك العفاسي ولا أمثاله ممن تبقى من دعاة الوهابية، ولم ينطقوا بموقف حق ضد ما يقوم به الكيان الصهيوني، بل ذهب بعضهم إلى تحميل المقاومة الفلسطينية وحماس مسؤولية الإبادة في وقاحة وتماه مع الكيان الإسرائيلي، واستمرت ألسنتهم ومنابرهم في الترويج للتطبيع مع الكيان الصهيوني رغم أن هذا الكيان أغار على دولة قطر، التي صمتوا عن الجريمة الصهيونية ضدها .

سجل لمشاري العفاسي الذي اشتهر بتلاوة القرآن سابقا، انتقاد حركة حماس وصرح في اكثر من مرة بأن حماس تابعة لإيران وتنفذ أجندتها، وقال إن مقاوميها ليسوا مجاهدين، وخلال طوفان الأقصى دأب العفاسي في اكثر من منبر على تحميل المقاومة الفلسطينية مسؤولية الدمار والقتل الذي لحق بقطاع غزة، واصفاً قادة حماس بأنهم «مزايدون على جراح القدس».

الأرقام التي لا تكذب مطلقاً من خلال المقارنة بين الأنشودتين السياسيتين على طرفي نقيض، كشفت أن الوهابية السياسية تحتضر ولم تعد قادرة على التضليل أو حتى إقناع من هم في الداخل الخليجي، وباتت اليوم في موقع أعدائها بالأمس، تدافع وتفتقد الحجة، وهي كانت كذلك قبلا، وانها في المعركة الاوضح بين أمريكا وإسرائيل ومحور الإسلام المحمدي بمن يمثله من مقاومي فلسطين ولبنان واليمن والعراق وحتى الخليج، تقف بوضوح ودون مواربة في نفس الخندق مع إسرائيل وضمن حرب مولتها وجرت إليها نارها بما لم تكن تتوقع..

رؤوس الصواريخ الإيرانية التي حملت النار والدمار للقواعد الأمريكية في المنطقة، حملت معها مشاعل النور للوعي العربي الذي وقف مشدها على حجم القواعد الأمريكية ومستوى انتشارها في المنطقة، وموقع هذه الدول وأدرعتها الدينية في معركة تحرير فلسطين، جنودا يشاد بهم في من قبل قائد القوات المركزية الأمريكية الكونيل براد كوبر واصفا إياهم بالاستثنائيين في الدفاع عن الجنود الأمريكان والقواعد الأمريكية، هكذا وصف كوبر السعودية ودول الخليج باستثناء عمان والأردن.

وفي الدلالات، نجحت غزة ذلك القطاع الصغير فيما عجزت عن فعله دول كبرى كإيران في فضح منافقي الأمة، لم يكن ليسمع لها، اختصرت غزة بتضحياتها وصمودها الأسطوري على المحور المقاوم والعالم الكثير من الوقت والجهد في صناعة الوعي والبصيرة وهو امر مفصلي تحتاجه أي أمة تتقدم نحو معركة مفصلية تحررية .

تكشف الأرقام والردود على الأنشودتين السياسيتين المتضادتين، خاصة تلك القادمة من غزة وفلسطين ودول عربية خارج محور الجهاد والمقاومة وعلى رأسها مصر، أن جهود شيطنة ايران والشيعة والتي استمرت على مدى عقود وأنفقت في سبيلها دول الخليج خدمة لأمريكا وإسرائيل مليارات الدولارات فشلت جميعها، والفضل يعود لطوفان الأقصى وأولئك المجاهدين على امتداد محور الجهاد والمقاومة من عملوا لعقود في بناء منصة الانتصار الذي يلوح الآن وفي مقدمهم شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي، الحاج قاسم سليماني وسيد الشهداء حسن نصر الله، والسيد القائد علي الخامنئي، والشهيد القائد أبو إبراهيم يحيى السنوار والشيخ احمد ياسين والشهيد القائد فتحي الشقاقي وشهداء آخرون قادوت صمودا في وجه التضليل الوهابي إبان ارتفاع موجته وسطوته ماليا وسياسيا، وكثيرون على الدرب تثمر دماؤهم وعيا وبصيرة في الأمة والعالم الإنساني بفطرته..

استدعاء الوهابية السياسية لإطلاق حملة تضليل وحشد يكشف موقع البؤس الذي تقبع فيه دول الخليج والمعسكر الأمريكي في المنطقة بشكل عام ليس فقط عسكريا بل وحتى عزلة داخل البلدان التي تنتشر فيها القواعد الأمريكية، وهذا الوضع بالنسبة للأمريكان وضع خطير ومؤشر على ان عروش عملائه تهتز وقد تسقط بمجرد أن يغادر المنطقة، وحتى أن بقي فَقْد فَقَدَ هيبته ولم تعد الشعوب تخافه كحام للأنظمة وبيده مقاليد كل شيء بل صار يضرب ويفر كجرذ يختبئ جنوده بين البيوت وفي الفنادق تجري ملاحقتهم، ويبحثون عمن يحميهم بعد أن سوقوا لأنفسهم عقودا حامين.

لقد كشفت حرب الأربعين يوما على ايران بجلاء ودون ريب أن الشعوب العربية وقفت مع ايران ومحور المقاومة، واثبت الميدان بشكل لا لبس فيه مصداقية سيد الشهداء السيد حسن نصر الله في عام 2006 حين قال متألما من الموقف السعودي ضد حزب الله آبان عدوان تموز أن بين أسر وقادة السعودية وأنظمة الخليج من تدعو لحزب الله أن ينتصر فضلا عن الشعوب، وفي ذلك دلالة على حجم العزلة الفردية التي يعيشها حكام الخليج لم تكن ظاهرة حينها للعامة، لكنها أصبحت اكثر وضوحا بعد طوفان الأقصى ومواقفهم المخزية، ولا أدل على ذلك كمؤشر بسيط الموقف العربي والإسلامي أمام أنشودتين سياسيتين معبرتين عن طرفي الحرب..

بعكس هدفها التي أراده الأعراب ومشغلوهم في لم صفوفهم وممارسة التضليل من جديد، خطت انشودة العفاسي ضد الجمهورية الإسلامية في ايران كلمة النهاية، ووضعت شاهد الوفاة على قبر الوهابية السياسية التي استخدمتها أمريكا لعقود وقدمت الخدمات الكبيرة للمشروع الإسرائيلي في استمرار احتلال فلسطين، في معركة تمثل قمة الفرز بين جبهتي الإسلام والصهيونية في المنطقة والعالم .

وفاة الوهابية السياسية ستجر معها سقوط الأنظمة السياسية التي اعتمدت عليها لبناء الزعامة وحق الحكم والسيطرة على الشعوب، كما أن التواجد الأمريكي الذي كان يحمي هذه الأنظمة وإسرائيل هو الآخر يترنح اليوم نتيجة الضربات الإيرانية وتوحد محور المقاومة والضغط الداخلي الأمريكي لفك الارتباط مع إسرائيل والصهيونية، وهذان العمودان في المنطقة شكلا منذ ما قبل نشأة «إسرائيل» على ارض فلسطين حاجز الصد عن الكيان ورأس المشروع الصهيوني في المنطقة .

وبرحيل الأمريكان عن المنطقة وهو واقع يلوح الآن أكثر وهو هدف انطلق تنفيذه عمليا منذ يناير 2020 ما بعد جريمة ترامب باغتيال الحاج قاسم سليماني.

وبسقوط الوهابية السياسية بشقيها الديني المضلل والسياسي الخائن، ستصبح إسرائيل أكثر انكشافا ولن تصمد أمام جهد اقتلاعها من فلسطين في معركة وجولة نهائية حاسمة بين الإسلام المحمدي والصهيوني اليهودي، وقد لا تكون اصعب من الجولات التي مضت ولا أطول وقتا ..

الأيام والأحداث تتسارع .. وما بعد حرب الأربعين يوما بكل معطياتها من هرمز إلى باب المندب ..المنطقة ستصبح على يوم جديد خالية من الصهيونية، والأمة الإسلامية على موعد مع ميلاد جديد تولد من جديد بقيادة إسلامية حقيقية لا زائفة..

قد يعجبك ايضا