سمات المشروع القرآني.. الإطار الفكري والعملي لنهضة الأمة

 

يُولد كل مشروعٍ نهضوي حقيقي من السؤالٍ “لماذا تتراجع الأمم، وكيف تستعيد معناها ودورها الحضاري؟ ومن هذا السؤال بالذات تَشَكَّل المشروع القرآني الذي قدّمه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه-، كإعادة تأسيس لعلاقة الأمة بمصدر عزها ووعيها ونهضتها، بالسنن الإلهية التي تحكم صعوده، وبالتالي فقد تعامل شهيد القرآن مع واقع الأمة كنتاج تراكمي لاختلال في الرؤية قبل أن يكون خللًا في القوة المادية والمعنوية، وانطلاقًا من هذا الوعي أعاد شهيد القرآن الاعتبار للقرآن الكريم باعتباره مصدرا للوعي والمعرفة الحقيقية، وميزانا للحقائق، ومنهاجا لقراءة الإنسان والواقع والتاريخ معا، كون التغيير يبدأ من إعادة تشكيل الوعي، وتصحيح القناعات والرؤى والمعتقدات، وتنوير البصيرة التي بها يميّز الإنسان موقعه، وواجبه ومسؤوليته، واتجاه تحركه في الحياة. ومن هنا تبلور المشروع القرآني كمسارٍ تصحيحي وتنويري وأخلاقي ونهضوي متكامل، يتدرج بالإنسان والأمة من الإدراك للحقائق والإيمان بها إلى ترجمتها في الواقع العملي.

شهيد القرآن قدّم المشروع القرآني بوصفه مساراً تصحيحياً وتنويرياً وأخلاقياً ونهضوياً في آنٍ واحد؛ مشروعاً يواجه الواقع كما هو، لا كما يُتمنّى، ويتحرك بالناس من مواقع الوهن إلى فضاءات الفاعلية، ومن حالة التلقي السلبي لما يأتي من الأعداء إلى موقع الشهادة والمسؤولية، كمشروع يردّ الاعتبار للقرآن الكريم كمرجعية حاكمة، وميزان وعي، ودليل حركة في مختلف مجالات الحياة.

وتتجلى أهمية هذا المشروع في كونه أعاد وصل الدين الإسلامي بواقع الحياة وربط الإيمان بالفعل والموقف، وأعاد للأمة بوصلتها الحضارية وهويتها الجامعة، في مواجهة محاولات التفكيك والتغريب والتجهيل، فهو مشروع يواكب متغيراته، ويستبق أخطاره، مستنداً إلى رؤية قرآنية صادقة أثبت الواقع – مع تعاقب الأحداث – عمقها ومصداقيتها وأهميتها بالنسبة للإنسان والأمة.

إن سمات المشروع القرآني هي معالم عملية تجسدت في خطاب واعٍ، وتحذير مبكر، وبناء تراكمي للإنسان والأمة، بما يؤهلها للقيام بدورها الاستخلافي، والانتقال إلى مركز الفعل والتأثير، بعيدا عن التبعية والانكفاء على الذات والملذات إلى الشاهد الحضاري على عظمة الدين الإسلامي. ومن هنا، فإن استعراض هذه السمات هي قراءة في مشروع حي فاعل منفتح على المستقبل.

في كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في ذكرى شهيد القرآن لعام 1435هـ تحدث عن بعض سمات المشروع القرآني وعلى النحو التالي:

الطابع التصحيحي للمشروع القرآني.. إصلاح الأمة من بوابة الوعي والثقافة

يتموضع المشروع القرآني، في جوهره العميق، كمشروعٍ تصحيحي يعالج علل الأمة من منابتها الأولى، بعيدا عن السطحية، وبالتالي فهو لا ينطلق من معالجة النتائج، وإنما يعمل على تصويب الأسباب، واضعًا التصحيح الثقافي في صدارة مسار التغيير، باعتباره المدخل الحتمي لإصلاح الواقع، ذلك أن حركة الأمة في التاريخ ليست إلا انعكاسًا مباشرًا لقناعاتها، وأفكارها، ورؤاها؛ فما يستقر في الوعي يتجسّد في الواقع، وما يختل في الفكرة ينعكس انحرافًا في السلوك والمآلات.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، يؤكد المشروع القرآني أن تغيير الواقع لا يمكن أن يتحقق دون تغيير ما بالنفوس، وفق السنّة الإلهية الخالدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فكل تصحيح في الرؤية يولّد تصحيحًا في القناعة، وكل تصحيح في القناعة يفضي إلى تصويب في الموقف، ثم إلى واقعٍ مختلف في نتائجه واتجاهاته.

ومن هنا، جعل المشروع القرآني القرآن الكريم المرجعية العليا والحاكمة على سائر الثقافات والمذاهب والرؤى، انطلاقا من كونه ميزاناً معرفياً ومعيارياً يُحتكم إليه، وقد انطلق شهيد القرآن – رضوان الله عليه – في خطابه التصحيحي بنقد المفاهيم المغلوطة السائدة، داخل الإطار المذهبي وخارجه، بعيدا عن لغة الجدل والترف الفكري، من دوافع الإصلاح، وتصحيح المسار، وانتشال الأمة من واقعها المتردي المجمَع على سوء مآلاته.

يقول السيد القائد: “من أبرز سمات المشروع القرآني الذي قدمّه الشهيد القائد للأمة هو أنه تصحيحي، يصحح واقع الأمة بدءاً من التصحيح الثقافي الذي هو الخطوة الأولى في تصحيح واقع الأمة. لا يمكن أبداً بأي حالٍ من الأحوال تغيير واقع الأمة وإصلاحه إلا إذا ابتدأنا من التصحيح الثقافي، لأن الأمة في واقعها هي تتحرك بناءً على قناعاتها. لدى الناس قناعات، أفكار، رؤى، يتحركون على أساسها في الواقع، والواقع بكل ما فيه هو نتيجة لتلك القناعات، القناعات الصحيحة والرؤى السليمة، يترتب عليها نتائج صحيحة في الواقع، ويبتني على أساسها الواقع ليكون واقعا صحيحاً، والقناعات والأفكار والرؤى المغلوطة يترتب عليها نتائج سيئة في الواقع، تسوء بها الحياة، وتترك آثارها السيئة في الحياة وفي الواقع بكله، ولذلك عملية التغيير يجب أن تبدأ بالتصحيح الثقافي الذي يترتب عليه تغيير ما بالنفوس لأن الله سبحانه وتعالى يقول {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} وكلما تصححت ثقافة ورؤية تصحح وراءها قناعة وتصحح وراءها بالتالي واقع وتصحح من وراء ذلك نتيجة وبالتالي المدخل إلى تغيير واقع الأمة السيء الذي هو بالإجماع واقعٌ سيء، المدخل إلى تغييره هو التصحيح الثقافي، وأعظم وأصدق وأسمى وأهدى ما يمكن الاعتماد عليه للتصحيح الثقافي هو القرآن الكريم، القرآن الكريم الذي يجب أن نجعل له حاكمية مطلقة على كل ما هناك من ثقافات ومذاهب وأفكار ورؤى، وهو كتاب الله، لا داعٍ لأن يأنف أحد أو يستكبر من حاكمية القرآن على ثقافته أو مذهبه أو رؤيته أو كتابه.

فمن أهم السمات لهذا المشروع أنه تصحيحي، ولذلك في معظم الدروس والمحاضرات التي قدمها الشهيد القائد -رضوان الله عليه- تناول الكثير من المفاهيم المغلوطة سواءً منها ما كان سائداً في داخل طائفته الزيدية أو خارج طائفته بشكلٍ عام، وليس نقداً لمجرد النقد، وليس من باب التهجّم أبداً ولا الاحتقار أبداً ولا لهدف الإساءة، إنما لهدف التغيير، لهدف تصحيح الواقع، لهدف إصلاح الوضع السيء الذي هو سيئ كما قلنا بالإجماع”.

الطابع التنويري للمشروع القرآني.. صناعة الوعي والبصيرة في قراءة الواقع

يتميّز المشروع القرآني بكونه مشروعًا تنويريًا بامتياز، يستهدف تحرير البصيرة أولاً، وصناعة وعيٍ عميق بالواقع، وبالمسؤولية، وبطبيعة الصراع، وبمنطق الأحداث والمتغيرات، فالقرآن – في منطق هذا المشروع – لا يقتصر على الجانب الروحي فحسب، وإنما هو نور كاشف يمنح الإنسان القدرة على التمييز، والتقييم الصحيح، واتخاذ الموقف الحق، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، والنور هنا هو نور الوعي، الذي يكشف زيف التضليل، ويهدي إلى القراءة الواقعية للأحداث، بعيدًا عن الانخداع بالشعارات أو الارتهان للسطحية، ومن هذا المنطلق أسهم المشروع القرآني في بناء إنسانٍ واعٍ، يمتلك بصيرة نافذة، وقادر على فهم ما يجري حوله ضمن سياقه الحقيقي، لا كما يُراد له أن يُفهم.

«من أهم سمات هذا المشروع أنه تنويري، نور، بصائر، يقدم وعياً ويصنع وعياً عالياً، وبصائر تجاه الواقع، تجاه المسئولية، تجاه الاحداث، تجاه المتغيرات، ومن خلال القرآن الكريم، كل هذا من خلال القرآن الكريم الذي هو نور، ومعنى أنه نور أنه يعطيك البصيرة يرشدك إلى الموقف الصحيح إلى الموقف الحق إلى التقييم الدقيق الذي هو حق، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}، فهذا المشروع القرآني هو مشروعٌ تنويريٌ توعويٌ، ثمرته وعيٌ عالٍ وبصيرة نافذة وتقييم صحيح وقراءة واقعية للأحداث والمتغيرات».

الطابع الأخلاقي والقيمي.. إعادة القيم إلى مركز الفعل

ينطلق المشروع القرآني من إدراك عميق بأن المعركة مع الأمة لا تقتصر على السلاح، وإنما هي في المقدمة معركة قيم وأخلاق، فاستهداف القيم هو أخطر أشكال الاستهداف، لأنه يفرغ الإنسان من مناعته الداخلية، ويحوّله إلى كيانٍ هشّ قابل للتطويع والانكسار، ومن هنا، يتقدّم المشروع القرآني باعتباره مشروعًا أخلاقيًا قيميًا، يسعى إلى إعادة الاعتبار للأخلاق القرآنية بوصفها أساسًا ناظمًا للسلوك الفردي والجماعي. فالقرآن الكريم في جوهره، مشروع أخلاق، ومن دون ترسيخ القيم في الواقع العملي، يفقد أي مشروع نهضوي روحه ومعناه؛ ولذلك عمل هذا المشروع على إعادة القيم لتكون حاكمة في السلوك، والقرار، والعلاقة مع الله سبحانه وتعالى، ومع الناس، ومع قضايا الأمة.

قد يعجبك ايضا