لم تبنِ الجمهوريةُ الإسلاميةُ في إيران حضورَها الجيوسياسيَّ الممتدَّ من طهرانَ إلى تخوم فلسطينَ بمحض الصدفة أَو بتقلبات المواقف، لقد صاغت هذا الحضورَ عبر رؤية استراتيجية هادئة وثابتة، تؤمن بأن التضحيات ليست خسارة تُرثى، بل رأس مال صامت يُستثمر لصالح المستقبل.
كُلُّ جولةٍ من جولات الصراع في هذه المنطقة الملتهبة، وكل قطرة دمٍ أُريقت على ثرى الجبهات، لم تكن مُجَـرّدَ رَدِّ فعل على عدوان عابر، لقد كانت بمثابة مختبر حي لتوليد معادلة جديدة، معادلة تُربك حسابات الأعداء وتُحبط مشاريع التقسيم والهيمنة التي تُحاك في الغرف المظلمة.
على هذا الطريق الطويل والشاق، كانت التضحيات عنوانًا بارزًا، لكنها تضحية من نوع خاص، تضحية “غير فراغية” كما يصفها العارفون بأسرار الأمور، إنها لا تنطلق من فراغ اليأس أَو عبثية المغامرة، إنما تنطلق من روح العقيدة التي لا تلين ومن عبق التاريخ الذي لا يُنسى.
وهذا يعني بالضرورة أن الدماءَ التي نزفت والأموال التي أُنفقت لم تذهب هدرًا في صحراء النسيان، إنما تحولت بقدرة قادر إلى نقاط قوة ملموسة على الأرض.
تأمل كيف تحولت تلك التضحيات إلى قدرات صاروخية ردعية تفرض معادلات الردع، وإلى شبكة دفاع جوي محلية الصنع تحمي سماء البلاد، وإلى تصنيع عسكري وتنمية اقتصادية يحقّقان الاكتفاء الذاتي ويقطعان دابر الاحتياج للغير.
وامتد الأثر ليشمل تدريب حركات مقاومة باتت تمتلكُ من الكفاءة القتالية العالية ما يجعلها نِدًّا صعبَ المراس، وُصُـولًا إلى مد الجسور الاستراتيجية مع قوى تتشارك ذات القيم الإنسانية والإسلامية، ذوي تأثير إقليمي يجعل من هذا المحور شريكًا لا يمكن تجاوزُه أَو القفز عليه في أية تسوية كبرى للمنطقة، هذا بالضبط، لا أكثر ولا أقل، ما فعلته إيران الإسلامية.
وبينما نقف على هذه الصورة الواضحة المعالم، قد يكون من الإنصافِ للسلوكيات المشهودة لا للتنظيرات المكتوبة، أن نُسقِطَ هذا المشهد على واقع حالنا نحن العربَ، وأعني به الحالَ الجماعي السائد والعنوان العريض الذي لا يمكن التغافُلُ عنه مطلقًا: “فقدان البُوصلة”، فرغم ضخامة التضحيات العربية التي لا ينكرها أحد، إلا أن النتائج ظلت لصيقة بخانة “النكسة والنكبة”، وانحازت خلاصاتها دومًا إلى خانة “السالب”.
يعود ذلك في جوهره إلى الإرباك المزمن في تحديد المشروع النهضوي وتشخيص الأهداف الكبرى.
فالأنظمة العربية المتعاقبةُ في حالة من الاستلاب الثقافي، تباينت تارةً ما بين التماس الهُوية من الغرب، وتارةً يعلّقون آمالًا عريضةً على وعود أمريكية سَرعانَ ما تذروها الرياح، وتارةً أُخرى إن لم يحولوا الدين إلى أدَاة هدم داخلية فإنهم يختزلونه في طقوس جامدة ومناسك شكلية منفصلة تمامًا عن أي مشروع سياسي طموح أَو فكرة حضارية ناهضة.
وقد نتج عن هذا التشتت موت الحلم “المشروع الجامع”، ذلك المشروع الذي يحفظ الدم ويصون الجهد ويوحد الصف، هذا الغياب جعلهم كمن يكدحُ ليلَ نهارَ ليبني صرحًا شامخًا على رمال متحَرّكة، بدلًا عن أن يشيدَه على صخر الرسالة الخالد وثبات التاريخ.
وهذا الحلم الجامعُ ليس ترفًا فكريًّا أَو موجة عاطفية عابرة، هو شعورٌ فطري نابع من أعماق وجدان الأُمَّــة وذاكرتها الجمعية؛ حلمٌ بأن نلتقي جميعًا تحت لواء رسالة واحدة واضحة المعالم، وأن نواجه التحديات المصيرية بجبهة واحدة موحدة، وأن نبني قوتنا الجمعية بعيدًا عن إذلال التبعية ووصاية الخارج.
وهذا الحلم ليس مُجَـرّد أمنية تراود المخيلات المنهكة، إنه ضرورةٌ وجودية وحضارية، لكنه منذ أن بدأت ملامحه تتبلور في الأفق، واجه أعتى هجمة شعواء من “الغرب المتصهين” ومنظوماته الممتدة في الداخل؛ ساسة خانوا الأوطان وباعوا مقدراتها بثمن بخس، ورجال دين أفتوا لخدمةِ مصالح السفارات الأجنبية، ومفكِّرين تفرغوا لتكريس الهزيمة كثقافة دائمة والاستسلام كقدر محتوم.
وليس أقسى على الروح من الهزائم العسكرية المتلاحقة التي مُنِيَ بها العرب في العقود الأخيرة، إلا ذلك النجاح الباهر الذي اجترحه العدوُّ في حرب الوعي والإدراك؛ لقد نجح نجاحًا مُخيفًا في تصوير المشروع الإيراني كخطر وجودي داهم، وتمكّن هذا الخطاب المسموم من تجاوُزِ ذهنية حكام الخيانة ليتسرب كالهاجس المرعب إلى عقل المواطن العربي البسيط ووجدانه، وذلك بفعل فاعل ومؤثِّر من رجال الدين وقادة الرأي العام المجندين في صفوف المشروع المعادي.
يُقنعونه ليلَ نهارَ بأن الخطر الآتي من الشرق الفارسي هو الذي سيقضي على هُويته ومستقبله، بينما الحقيقةُ المُرَّة التي تُغيَّب عنه هي أن الخطرَ الوجودي الحقيقي والماثل هو ذلك الذي يمارسُه أعداء إيران والأمة العربية والإسلامية على حَــدٍّ سواء؛ خطر تفكيك الدول وضرب بنيانها من القواعد، وتفتيت الهُويات الجامعة إلى طوائف ومذاهب متناحرة، وتجفيف منابع المقاومة في كُـلّ مكان، وفرض ثقافة التطبيع مع العدوّ كمسار حتمي لا رجعة فيه.
إنهم هم، وليس سواهم، من ينهشون الوجودَ الإسلامي من الداخل نخرًا في العظم، ثم بعد ذلك يتهمون كُـلّ مشروع نهضوي يرفع راية العزة بـ”الطائفية” أَو “الهيمنة” ليضربوا بهذا المشروع الجامع في مقتل.
في مقابل هذا التيه، يبرزُ النموذج الإيراني ليس كمُجَـرّد دولة ذات حدود جغرافية وسكان، بل كفكرة حية ومشروع نهضوي متكامل الأركان، في عالم إسلامي ممزق على نفسه، نادرًا ما تجد نموذجًا يجمع في آنٍ واحد بين العقيدة كبُوصلة لا تتزعزع ولا يشوبها عطب، والتضحية كمنهج حياة يومي لا كشعارات تُرفع في المناسبات، والصمود الأُسطوري في وجه أعتى حملات الحصار الاقتصادي والعزلة السياسية، ناهيك عن تلك القدرة الفريدة على تحويل كُـلّ تهديد إلى فرصة، وكل تحدٍ إلى قفزة نحو الأمام.
لقد كان ثباتُ الجمهورية الإسلامية في إيران عظيمًا على كُـلّ المستويات، قيادةً وشعبًا وقواتٍ مسلحةً بكل تشكيلاتها، وبالرغم من لَوعة استشهاد القادة العظام الذين ارتقوا الواحدَ تلوَ الآخر، إلا أن النظامَ الإسلاميَّ تماسك في كُـلّ مؤسّساته؛ لأن إيران ليست فقيرةً بالرجال، إنها غنية بالقادة والكوادر الكفؤة القادرة على حمل الراية بجدارة وتحملُ أمانةَ المسؤولية بصلابة.
كُلُّ مؤسّسات النظام استمرت في أداء مهامِّها تجاه الشعب الإيراني المسلم على أكمل وجه، وكأن شيئًا لم يكن، والقوات المسلحة تماسكت، وكان أداؤها في التصدي للعدوان الأمريكي–الإسرائيلي فاعلًا وقويًّا جِـدًّا، وألحقت بالعدوّ خسائرَ كبيرة جعلته يعيد حساباته ألف مرة، وُصُـولًا في نهاية المطاف، بتأييد الله وتوفيقه، إلى إلحاق الفشل والهزيمة به.
هذا النموذج، بكل ما يحملُه من إيمان وصبر وعمل، هو وحدَه الذي يمنح الأُمَّــة أملها المفقود في إمْكَانية استعادة توازن القوى الذي اختل منذ عقود، وفي كسر عُقدة الخوف والهزيمة النفسية من مواجهة المشروع الغربي–الصهيوني، إنه دليل عملي على أن الإرادَة إذَا صدقت، والتضحية إذَا أحسنت وجهتها، والرؤية إذَا وضحت معالمها، فإن النصر ليس مُجَـرّد حلم بعيد المنال، بل هو قدر محتوم يسير على خطى الصابرين.
إننا -ومن موقع الإدراك العميق لطبيعة الصراع- نعتز بإيران وننظر إليها بوصفها النموذج الذي قدم للعالم الإسلامي درسًا بليغًا في فن الجمع بين المبادئ الصُّلبة والواقع المرير، بين المقدس والسياسي في معادلة واحدة، وبين التضحية الجسيمة والنصر المؤزر، وهي في كُـلِّ ذلك ليست معصومةً من الخطأ ولا تدَّعي الكمال، لكنها في ميزان الصراع الكبير وحساباته الدقيقة تمثل السدَّ المنيعَ الذي يصُدُّ الفيضانَ الجارف، والقلب النابض الذي لا يزال يضُخُّ دماءَ الأمل والعزة في شرايين أُمَّـة كادت أن تفارق الحياة.
وعليه، فإن من يبحث عن مشروع إسلامي قابلٍ للتطبيق على أرض الواقع في زمن بلغ فيه الطغيانُ والاستكبار العالمي مداه، فسيجد هذا المشروع ماثلًا في النموذج الإيراني بقوته وضعفه، بنجاحاته وإخفاقاته.
وحمايتُه وتعزيزه ليس تفضلًا أَو خيارًا سياسيًّا عابرًا، والدفاع عنه أمام حملات التشويه الممنهجة والتضليل المقصود ليس مُجَـرّد تأييد عاطفي لطهران، إنه في جوهره واجبُ أُمَّـة ومسؤولية جيل، ودفاع عن إمْكَانية وجود مشروع نهضوي مستقل وقادر على قول “لا” في وجه الطغيان، وهو دفاع عن بقية أمل في عالم إسلامي يوشك أن يفقد بُوصلته إلى الأبد.
