تداعي الأمانة وسُعار الاستبداد.. قراءة في أزمة السياسة الأمريكية المعاصرة
القاضي/ حسين بن محمد المهدي
{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً}
عندما تنهار الأمانة في قلوب الحكام، ويستبدُ بهم سُعارُ الجاه والسلطان، تتحول السياسة من صناعة للحياة إلى آلة للموت. وهذا ما نراه اليوم جليًا في السلوك الأمريكي تحت قيادة دونالد ترامب، الذي جعل من نقض المواثيق والاعتداء على الشعوب منهجًا، ومن اغتيال القادة واستباحة الدماء وسيلة. فهل آن للأحرار في العالم أن يدركوا أن الخيانة سياسةً لا تلد إلا خرابًا؟ هذا ما نحاول قراءته في هذا المقال.
مفهوم القوة بين الحكمة والنزق
إن قوام الدول وعماد استقرار الأمم يرتكز على دعامتين لا يميل صرح العدل إلا بميلهما: القوة الحكيمة، والأمانة العاصمة. فإذا اجتمعت القوة مع نزق النفس وضياع الخلق، صار الحاكم وبالاً على محكوميه وخرابًا على جيرانه، وسماً قاتلاً للبشرية.
وليست الولاية مجرد اعتلاء للمناصب، بل هي عهد غليظ ومسؤولية تؤدى بحقها، لا غنيمة تُنتهب ببريقها. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}.
والقوة في منطق السياسة الرشيدة لا تعني العنف المفرط، ولا تبرر اصطناع الرعونة. فالحاكم الذي يغش نفسه في سلوكه الشخصي، ويسمح لنزواته أن تقود قراراته، هو أبعد ما يكون عن حفظ أمانة الشعوب. إن السياسي الأرعن قد يظن أنه يصلح ببطشه، لكنه في الحقيقة يزرع فسادًا عريضًا يصعب تداركه، ويفتح أبوابًا من الفتن يفوت تلافيها.
فالرئيس الحق هو من يسوس الناس بالحكمة لا بالتحكم، وبالمشاركة لا بالاستئثار. يرى في شعوب العالم شركاء في عمارة الأرض، لا أهدافًا لصواريخه وطائراته.
النموذج الأمريكي وتركة ترامب
لقد شهد العالم في الحقبة الأخيرة زلزالاً سياسيًا حين اعتلى سدة الحكم في أمريكا من جعل “الأنا” فوق “الميثاق”، ونقض بجهله ما أبرمه العقل من اتفاقات.
جسد ترامب نموذجًا للسياسة الخسيسة التي تفسد النفوس وتقطع الرؤوس وتضيع الفلوس. وجهها منحوس، ورأسها منكوس.
فكم من ذكي ضيعت مراسه، وكم من غبي أخرجت وسواسه. فالسياسة بالغدر تعاسة، وبالجور خساسة، وبالظلم شراسة.
وما فعله ترامب ونتنياهو في فلسطين والجمهورية الإسلامية في إيران أمر تقشعر منه الأبدان. فانسحابه من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، واغتياله الفريق قاسم سليماني عام 2020، ونقله السفارة الأمريكية إلى القدس، كلها نماذج صارخة على نقض العهود واغتيال الأخلاق السياسية.
الخيانة في الميزان القرآني
والاستبداد بما اؤتمن عليه خيانة، والخيانة شر كلها، فيها مخالفة الحق، وخيانة الخلق، والضرر بالشعوب. فهي شؤم في الدنيا وعذاب في الآخرة. الخائن لا يخفى له طمع وإن دق، وهي صفة المنافقين والمشركين والكفار والجاحدين.
قال الله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى? سَوَاءٍ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} (الأنفال: 58)
· {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} (الحج: 38)
وقد أشار قائد المسيرة القرآنية (حفظه الله) في محاضراته إلى ما تصلح به أمور الإنسانية: فالأمانة ركن الدين، والقوة سيف العدل، لا عنف الجبابرة ولا غدر الخونة.
عَجَبِي لِمَنْ رَكِبَ الغُرُورَ مَطِيَّةً
وَرَأَى الـمَكَارِمَ غُصَّةً وَنَجَاسَة
يَبْنِي بِيُوتَ الـخزي فَوْقَ جَمَاجِمٍ
وَيَظُنُّ بَطْشَ العَالَمِينَ فَرَاسَة
كَـ “تْرَامْبَ” يَنْفُثُ فِي الأنَامِ سُمُومَهُ
وَيَسُوسُ خَلْقَ اللهِ فِيهِ نَخَاسَة
مَا كَانَ نَقْصُ العَقْلِ يَوْمًا مَفْخَرًا
حَتَّى يَرَى الأحرارُ فِيهِ قَدَاسَة
فَالرَّأْسُ مَنْكُوسٌ وَوَجْهٌ كَالِحٌ
وَالْفِعْلُ ذُلٌّ.. وَانْتِهَاءُ خَسَاسَة
فرعون العصر يهدد.. فماذا قال الله لأمثاله؟
وهذا ترامب يتفوه بكلام غير معقول، فيقول: “إن حضارة إيران ستموت الليلة”.
فهيهات له ذلك. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. كأنه فرعون الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}، أو قوم عاد الذين قالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} فأهلكهم الله وأذلهم. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} (الفجر: 6-14)
فمن ولي أمر الرئاسة، فلينظر في شؤون الأمة نظر الراعي الرحيم، لا نظر الذئب الجائع. فالحاكم العاقل يبذل للبشرية من نفسه مثل ما يريد منهم، فيجد معاونة ظاهرة ومشاركة في المسؤولية. أما المستبد فلا يستأثر بالمصالح، ولا يغتال الرؤساء، ولا يقتل الشيوخ والنساء.
نحو وعي يوقف الخيانة
فعلى الأحرار في الولايات المتحدة والعالم أن يدركوا أن اختيار القوي الأمين ليس ترفًا سياسيًا، بل هو ضرورة وجودية. فالحاكم الذي يستأثر بالمصالح، ويغتال الرؤساء، وينقض العهود، إنما يكتب نهاية عصر دولته بمداد من الخزي.
السياسة بلا أخلاق هي غابة يسكنها الوحوش. والقيادة بلا أمانة هي خيانة عظمى للإنسانية، لأن أثرها يتعدى الشخص إلى الأمة، ويتحول من خطيئة عابرة إلى دمار شامل.
وستبقى الجمهورية الإسلامية في إيران، وفي فلسطين المغتصبة، وفي لبنان والعراق ويمن الإيمان والحكمة، صامدة بالقوة والحكمة، ويكتب لها النصر بوعد الله الذي لا يخلف: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 40)
{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} (الحج: 38).
عضو رابطة علماء اليمن
