حين تنطق القدس.. يسقط صمت المتخاذلين

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

ليست القدس مجرد مدينة محتلة، ولا القضية الفلسطينية نزاعًا سياسيًا يمكن تأجيله أو التعامل معه بحسابات مصالح ضيقة. فهي رمز العقيدة والهوية والكرامة للأمة الإسلامية، ويوم القدس العالمي هو اللحظة السنوية التي تعيد للأمة وعيها وتكشف حقيقة المواقف: من يقف مع الحق ومن يختبئ خلف الصمت أو التخاذل.

لقد أطلق الإمام الخميني رحمه الله هذا اليوم ليكون صرخة وجدان للأمة الإسلامية جمعاء، وتذكيرًا بأن فلسطين ليست قضية محلية لشعب محدد، بل قضية الأمة بأسرها. فالدفاع عن القدس والمسجد الأقصى واجب ديني وأخلاقي قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. لقد أدرك الإمام الخميني رحمه الله منذ البداية أن الأمة بحاجة إلى موقف صريح وواضح تجاه المشروع الصهيوني الذي يسعى لتهويد الأرض والمقدسات، وأن هذه القضية ليست مجرد قضية جغرافية، بل صراع وجودي وحضاري.

وفي هذا السياق، جاء حديث السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي ليؤكد أن يوم القدس العالمي ليس مجرد مناسبة رمزية، بل موقف مبدئي واضح يعيد ترتيب الأولويات ويضع الأمة كلها أمام مسؤولياتها تجاه فلسطين. فالقدس اليوم تختبر الأمة بأكملها، وتكشف من يحمل هم القضية ومن اختار الطريق السهل للتواطؤ أو التخاذل.

وقد بيّن السيد القائد أن المشروع الصهيوني لا يقف عند حدود فلسطين، بل يسعى لتوسيع السيطرة على المنطقة بأكملها عبر مخططاته الاستيطانية والسياسية والاقتصادية، وبدعم غربي مباشر، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية. هذا المخطط ليس تهديدًا لفلسطين وحدها، بل للأمة كلها، ويجعل من يوم القدس العالمي اختبارًا للضمير العربي والإسلامي، وكاشفًا لمن يقف مع الحق ومن يختار الصمت والخضوع للهيمنة الأجنبية.

اختيار الإمام الخميني رحمه الله للجمعة الأخيرة من شهر رمضان لإنشاء يوم القدس العالمي لم يكن عشوائيًا، بل حمل بعدًا دينيًا وروحيًا يربط بين العبادة والجهاد والالتزام الأخلاقي، مؤكدًا أن الدفاع عن القدس قضية إيمانية قبل أن تكون سياسية. فالقدس والمسجد الأقصى يمثلان خط الدفاع الأول عن العقيدة والهوية، وكل محاولة لتهميشهما أو طمسهما هي محاولة لتصفية ضمير الأمة نفسها.

كما شدد السيد القائد على أن الوقوف الصادق تجاه القضية الفلسطينية لا يتحقق إلا من القوى الحرة في الأمة التي لا تخضع لإملاءات أعداء الإسلام، وأن التبني الصادق لهذه القضية يعد معيارًا للسلامة من الهيمنة الأجنبية والخضوع لها. فالأحداث عبر العقود أثبتت من هو الصادق ومن هو الكاذب تجاه القضية الفلسطينية، وكشفت زيف حملات التشكيك التي كانت تشنها أبواق الصهيونية ضد المواقف الصادقة للجمهورية الإسلامية في إيران وأحرار الأمة.

ويضيف السيد القائد أن القدس ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية الأمة كلها، وأن الدفاع عنها واجب على كل مسلم، لأنه يمثل حماية للهوية والدين والمقدسات. فالعدو الصهيوني يستهدف الإسلام والمسلمين، ويخطط لإقامة ما يسمى “إسرائيل الكبرى”، عبر السيطرة على بلدان المنطقة بالكامل، وتحويل شعوبها إلى أدوات نفوذ لتثبيت هيمنته.

إن يوم القدس العالمي، بفضل رؤية الإمام الخميني رحمه الله، أصبح مرآة تكشف المواقف وبوصلة تفضح المتخاذلين. فالقدس اليوم ليست مجرد مدينة محتلة، بل معيار يضع الجميع أمام خيار واضح: إما أن يكون في صف الحق والمقاومة، أو أن يختبئ خلف صمت يفضحه التاريخ نفسه.

ويؤكد السيد القائد أن المرحلة الراهنة كشفت حقيقة أطماع العدو تجاه المنطقة ومخططاته لإقامة “إسرائيل الكبرى”، وأن التحرك الأمريكي العدواني ضد الأمة الإسلامية يشارك العدو الصهيوني في كل جرائمه، مؤكدًا أن الموقف الأمريكي ليس موقفًا سياسيًا عاديًا، بل موقف صهيوني بامتياز. كما أن التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني لا يقل خطورة عن الاحتلال نفسه، لأنه يشرعن وجود العدو على الأرض العربية، ويضعف الموقف العربي والإسلامي في مواجهة المخططات الصهيونية.

ويختتم السيد القائد تحليله بالإشارة إلى أن إحياء يوم القدس العالمي ليس ترفًا سياسيًا أو مناسبة إعلامية، بل اختبار دائم للضمير العربي والإسلامي، ووسيلة لتجديد العهد مع فلسطين وشعبها. فالقدس والمسجد الأقصى في قلب هذا الصراع يمثلان الخط الأول للدفاع عن العقيدة والهوية، وكل محاولة لتهميشهما هي خيانة تاريخية وأخلاقية.

إن الرسالة التي يحملها يوم القدس هي أن فلسطين والقدس تبقيان قضية الأمة، وذكراهما كل عام تدعو للتوحد والتمسك بالحق ورفض الانصياع للضغوط الخارجية، لتظل القدس حيّة في وجدان الأمة، وتفضح كل من حاول تهميشها أو محوها من الوعي الإسلامي والسياسي. فحين تنطق القدس، يسقط صمت المتخاذلين، وتنكشف المواقف الصادقة من المواقف الخائنة، لتبقى فلسطين عنوان الأمة وضميرها الحي، ومقياسًا لا يمكن تجاهله لأي من يدعي الحرص على دينه وأمته.

 

قد يعجبك ايضا