لطالما عُرفت إيران في أروقة السياسة الدولية بـ “النفس الطويل”، ولطالما كانت تدير صراعاتها الإقليمية والدولية ببرود أعصاب يُحير المراقبين، ويصل أحياناً إلى حدّ إحباط الحلفاء الذين انتظروا ردوداً فورية صاعقة، هذا الهدوء الدبلوماسي، الذي كان يراه البعض ضعفاً ويصوره الخصوم “تخاذلاً”، لم يكن إلا استراتيجية “الصبر الاستراتيجي” التي تتقنها مدرسة الدبلوماسية الإسلامية في إيران.
لكن، يبدو أن المشهد العالمي يقف اليوم أمام انعطافة تاريخية كبرى؛ حيث أدت الغطرسة الأمريكية والسياسات الصدامية المتهورة إلى تمزيق هذا القناع الدبلوماسي المرن، لتكشف عن وجهٍ جديد لم تعهده المنطقة من قبل، الانتقال من الدبلوماسية الهادئة إلى “غضبة الحليم”.
القاعدة الذهبية تقول: “اتقِ شر الحليم إذا غضب”. فالدول التي تبني سياساتها على العقلانية وتجنب الصدام المباشر لا تفعل ذلك خوفاً، بل حرصاً على مكتسبات كبرى، إلا أن الاستكبار الأمريكي، الذي اعتمد لغة الإملاءات والهمجية السياسية، لم يترك لهذا “الحلم” مساحة للاستمرار. واليوم، نرى انتفاضة في الرؤية الإيرانية تعيد صياغة المشهد للأصدقاء وللخصوم على السواء.
لقد تجلّى هذا التحول في أبهى صوره من خلال حالة التلاحم الاستثنائي بين القيادة والقاعدة؛ فلم ينل قائدٌ تأييداً ومباركةً من كافة مؤسسات دولته وأطياف شعبه، في ظل حربٍ ضارية هدفها الرئيسي إسقاط أركان النظام، مثلما نالها “المجتبى”.
إن هذا الالتفاف العقائدي والسياسي الذي أظهرها الشعب والمؤسسات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية يضعنا أمام حقيقة سوسيولوجية مفادها، أنه وبقدر ما هناك قوى وشعوب عمياء تمثل مطية لمشاريع الغرب وإرادته، فإن هناك في المقابل شعوباً واعية تمثل حصانةً منيعة للأوطان وعمقاً استراتيجياً لا يمكن اختراقه، إذا ما دارت رحى المؤامرات بهدف طحن وتمزيق وجودها وهويتها.
وعلى قاعدة السحر الذي انقلب على الساحر، كانت المفاجأة مبهرة لحلفاء وأصدقاء إيران، حيث تم تعزيز الثقة في قدرة الدولة على الردع النوعي والمباشر، ومثل هذا التحدي رهانا لصدق المنهجية، فيما كانت الصدمة قاسية للأعداء والخصوم؛ فالحسابات التي بُنيت على فرضية “عدم الرغبة في المواجهة”، سقطت أمام واقع جديد يتسم بالجرأة والمبادرة.
ومن أعظم مفارقات التاريخ أن الطغاة، وفي قمة نشوتهم بالقوة، يصنعون بأيديهم أسباب زوالهم، هكذا، فإن السياسة الأمريكية المعتمدة على الحصار والاغتيالات والضغط الأقصى قد أزاحت طبقة “الدبلوماسيين المرنين”، وأفسحت الطريق قسراً لجيل جديد أكثر تشدداً؛ جيل تحت قسوة الإجرام والتوحش الأمريكي لم يعد يؤمن بجدوى التفاوض مع طرف لا يحترم العهود، جيل أكثر صلابة، تشكل وعيه وسط النيران، ويرى في المواجهة طريقاً وحيداً لانتزاع السيادة.
وبالمقاربة بين دروس نبي الله موسى وفرعون التي يعيد السيد القائد ذكرها في وعينا كل ليلة، أقول : هذه هي “سنن الله” في كونه؛ فعندما يبلغ التكبر مداه، يُعمي الله بصيرة الطغاة ليرتكبوا من الحماقات ما يوقظ النائمين ويوحد المستضعفين.، و إن التهور الأمريكي لم يضعف خصومها، بل صهرهم في بوتقة واحدة، ورسم لهم بوضوح “خارطة طريق” الخلاص من الهيمنة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تغيير في المواقف، بل هو “إعادة هيكلة” للقناعات الدولية، إيران اليوم لم تعد تكتفي بصد الضربات، بل باتت تعيد رسم قواعد الاشتباك، ولقد أدركت القوى التي راهنت على انكسارها أن “الوجه المرن” كان خياراً لا اضطراراً، وأن البديل الذي ولد من رحم المعاناة والغطرسة سيكون أكثر كلفة وصعوبة في الاحتواء. وفي نهاية المطاف، سيذكر التاريخ أن غطرسة “القوة العظمى” هي من عبدت الطريق لنشوء أقطاب جديدة، بصلابة لم تكن لتوجد لولا تلك الحماقات التي رسمت خطوط النهاية لقرن من الطغاة والمستكبرين.
