بعد إسقاط “الهيمنة التكنولوجية” وإغلاق “شريان النفط”.. هل بدأ العد التنازلي لرحيل واشنطن عن المنطقة؟

الثورة نت | تحليل ـ هاشم علي

لم تعد المواجهة مع العدو الأمريكي-الصهيوني مجرد حرب بالصواريخ والمسيّرات، بل تحولت إلى معركة “كسر عظام” استراتيجية تُطرح في نهايتها الأسئلة الوجودية الكبرى.. فبعد أن نجحت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في تحييد أبرز أدوات هيمنته – التفوق التكنولوجي والسيطرة على ممرات الطاقة – يبرز السؤال الأهم الذي يتردد اليوم في أروقة البنتاغون: هل ما نشهده هو مجرد جولة تصعيد عسكري، أم أنه بالفعل بداية العد التنازلي لوجوده في المنطقة بأسرها؟

سماءٌ مغلقة.. ماذا بعد العمى الاستراتيجي؟

لعقود، سوّقت واشنطن لأسطورة “السيادة الجوية المطلقة” القائمة على شبكة معقدة من الرادارات ومنصات الدفاع.. اليوم، هذه الشبكة لم تعد سوى خيوط عنكبوت أمام الإرادة الإيرانية، فبدلاً من الحديث عن مجرد “إسقاط طائرات”، نحن نشهد “حرب أعصاب إلكترونية” متكاملة، حيث نجحت إيران في تحويل السماء إلى فخ قاتل.

إن إسقاط 104 طائرات مسيرة وتدمير 7 رادارات استراتيجية ليس مجرد نصر تكتيكي، بل هو إعلان عن “موت العقل الإلكتروني” للعدو، السؤال لم يعد “كيف يمكن لجيش أعمى أن يحمي نفسه؟”، بل أصبح أكثر عمقاً: ما قيمة جيش بأكمله إذا تم فصل دماغه عن جسده؟ لقد تحولت القواعد الأمريكية من أدوات هيمنة إلى مجرد “جزر معزولة”، وأصبح عمق الكيان المؤقت مرتعاً لصواريخ “الوعد الصادق 4”.

هرمز مغلق.. من يملك ورقة النفط الآن؟

لطالما كانت ورقة الطاقة هي السلاح الذي يلوّح به “الشيطان الأكبر”، اليوم، انتزعت طهران هذه الورقة ومزقتها.. فبإعلان الحرس الثوري أن مضيق هرمز “مغلق ومحرّم” على المعتدين، لم تعد المواجهة مجرد ردع عسكري، بل انتقلت إلى مستوى “دبلوماسية المضيق” التي تفرض معادلة جديدة: أمنكم الاقتصادي مقابل أمننا القومي.

التهديد برفع سعر برميل النفط إلى 200 دولار ورسالة “اقتربوا وجرّبوا” ليستا مجرد تحذيرات، بل هما صياغة لقواعد اشتباك جديدة لا يملك الغرب ترف تجاهلها.. السؤال الاستراتيجي هنا: هل تستطيع الديمقراطيات الغربية الهشة تحمل فاتورة حرب اختارها قادتهم بالوكالة عن الكيان الصهيوني؟ لقد أصبح شريان النفط ورقة في يد إيران، تستخدمها ببرود أعصاب لإعادة تعريف موازين القوى العالمية.

قيادة تحت النار.. هل فشلت عقيدة الفوضى؟

في ذروة المواجهة، لعب العدو ورقته الأخيرة: اغتيال القائد الأعلى، مراهناً على عقيدة “الفوضى الخلاقة”.. فجاء الرد الإيراني ليقدم للعالم درساً في “فن الحكم” وصلابة الدولة: انتقال سلس وسريع للسلطة بتنصيب سماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي قائداً للثورة.

هذا لم يكن مجرد إجراء دستوري، بل كان استعراضاً للقوة المؤسساتية وهزيمة نكراء لأجهزة المخابرات الغربية.. السؤال الذي يؤرقهم الآن: إذا كانت هذه هي صلابة إيران وقدرتها على تجديد قيادتها في أحلك الظروف، فما هي المفاجآت التي يخبئها “عصر الحسم” بقيادة “ابن الميدان” الذي يرتعد منه البنتاغون والموساد على حد سواء؟

“الجبهة الصامتة”.. حين يثبت الداخل أنه الحصن المنيع

بالتوازي مع ضجيج الصواريخ، كانت هناك حرب أخرى تدور في “الجبهة الصامتة”: الجبهة الداخلية.. وقد حسمت إيران هذه الحرب أيضاً.. فعمليات وزارة الاستخبارات التي أطاحت بـ 30 جاسوساً وعميلاً، والبيعة المليونية التي أحاطت بالقائد الجديد، أثبتت أن كل الرهانات على اختراق المجتمع الإيراني لم تكن إلا أوهاماً.

الموقف السياسي الإيراني الحاسم “نحن من ينهي الحرب” ليس مجرد شعار، بل هو تعبير عن ثقة مطلقة بهذا الحصن الداخلي.. السؤال الأخير الذي يجب أن يجيب عليه العدو: هل ما زال يراهن على إرادة شعب أثبت على مدى 47 عاماً أن الحصار والحروب لا تزيده إلا صلابة وتماسكاً؟

زمن الحسم وحتمية الرحيل

إن المعطيات الميدانية والسياسية لا تترك مجالاً للشك: نحن لا نشهد مجرد جولة من الصراع، بل نشهد بداية نهاية حقبة الهيمنة الأمريكية.. فبعد أن تم تحييد التكنولوجيا، وتقييد الطاقة، وتجديد القيادة تحت النار، وتحصين الجبهة الداخلية، لم يعد لدى واشنطن وحليفها الصهيوني أي أوراق ذات قيمة للعبها.

لقد انتهى زمن التساؤل “هل سترحل أمريكا؟”، وبدأ زمن العد التنازلي الفعلي لرحيلها.. فكل صاروخ إيراني يدك قاعدة أمريكية ليس مجرد ضربة عسكرية، بل هو مسمار يُدق في نعش هذا الوجود الاستعماري، وكل تهديد أمريكي يتبخر هو شهادة وفاة لهيبة زائفة.. قد لا نعرف ساعة الرحيل بالضبط، لكننا نرى فجره يقترب، ونسمع خطواته تتعالى، إنه زمن الحسم الذي لا رجعة فيه. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا}.

قد يعجبك ايضا