الوعد الصادق4 يفشل المغامرة الترامبية الصهيونية ويدحر رهانات التغيير من الداخل

الثورة  / يحيى الربيعي

تمثل الأحداث الجسيمة التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير عام 2026 زلزالاً جيوسياسياً أعاد صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط، حيث كشفت المواجهة المباشرة بين الجمهورية الإسلامية في إيران والتحالف الأمريكي الصهيوني عن فجوة هائلة بين الأوهام الاستراتيجية لواشنطن والواقع الميداني الصلب. إن العدوان الذي أطلقت عليه الإدارة الأمريكية اسم «الغضب الملحمي» (Epic Fury) ووسمه الكيان الصهيوني بـ “زئير الأسد” (Roaring Lion)، يتجاوز وصفه بالعملية العسكرية التقليدية، ليتحول إلى مقامرة انتحارية استهدفت رأس الهرم القيادي في إيران، في مراهنةً خاسرة على إمكانية تفكيك الدولة وتأجيج الشارع الإيراني ضد نظامه السياسي. إلا أن تتبع مسار العمليات العسكرية وتفاعلات الجبهة الداخلية يثبت أن هذه المغامرة قد ارتدت وبشكل صاعق على مدبريها، محولةً القواعد الأمريكية والمصالح الصهيونية إلى ركام تحت ضربات عملية “الوعد الصادق 4” التي أظهرت قدرات ردع غير مسبوقة.

الغطرسة الأمريكية والخرق الممنهج للقانون الدولي

بدأ العدوان المشترك في الساعة 9:45 صباحاً بتوقيت طهران يوم السبت 28 فبراير 2026، وهو يوم عمل رسمي في إيران، مما يعكس نية مبيتة لإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية في صفوف المدنيين والموظفين. استخدم التحالف المعتدي مزيجاً كثيفاً من القوات الجوية والمنظومات الصاروخية، شمل أكثر من 200 طائرة مقاتلة صهيونية وصواريخ توماهوك أمريكية أُطلقت من السفن الحربية، بالإضافة إلى استخدام منظومات “هيمارس” وطائرات مسيرة انتحارية.

زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الهدف من هذه “العمليات القتالية الكبيرة” هو حماية الشعب الأمريكي ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، واصفاً النظام الإيراني بـ “المجموعة الشريرة”. وفي المقابل، صرح بنيامين نتنياهو أن العملية تهدف لإزالة “التهديد الوجودي” وتهيئة الظروف للشعب الإيراني “ليأخذ مصيره بين يديه”، وهي عبارة رمزية تعكس الرهان الأمريكي الصهيوني على تغيير النظام من الداخل عبر القوة الغاشمة.

ومن الناحية القانونية، يجمع فقهاء القانون الدولي والسياسيون المعارضون للتوجه الترامبي على أن هذا الهجوم يمثل انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة. فالضربات لم تكن دفاعية، وإنما “حرب خيار” غير مبررة بتهديد وشيك ومؤكد. أكدت طهران أمام مجلس الأمن أن هذا العدوان يرقى إلى مستوى “جريمة حرب”، مشددة على حقها المشروع في الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. حتى داخل أروقة واشنطن، وصف السيناتور بيرني ساندرز والنائب جيم هايمز الحرب بأنها غير قانونية وغير دستورية، محذرين من أنها تخدم طموحات نتنياهو الشخصية وتورط الولايات المتحدة في صراع لا نهاية له.

سقوط رهان “قطع الرأس”

لقد توهم المخطط الصهيوني والأمريكي أن استهداف المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، آية الله السيد علي خامنئي، في مكتبه بطهران، جنباً إلى جنب مع تصفية النخبة العسكرية والسياسية، سيؤدي إلى انهيار فوري في بنية القرار الإيراني. استشهد خلال الغارات الافتتاحية المرشد الأعلى وعدد من كبار القادة، منهم وزير الدفاع عزيز نصير زاده، ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني.

إلا أن بنية الدولة الإيرانية القائمة على المؤسسات الدستورية الراسخة أثبتت فشل استراتيجية “قطع الرأس”. ففي غضون ساعات قليلة، أعلنت السلطات الإيرانية تفعيل المادة 111 من الدستور وتشكيل “مجلس قيادة مؤقت” لإدارة شؤون البلاد، ضم كلاً من الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني أجئي، وآية الله علي رضا أعرافي. هذا الانتقال السلس للسلطة في ظل القصف العنيف كشف عن عمق الاستقرار السياسي وقدرة نظام “ولاية الفقيه” على امتصاص الصدمات الكبرى وتحويل الفقد إلى قوة تعبئة وطنية.

والرهان الخاسر على الشارع الإيراني

لقد وجه ترامب ونتنياهو رسائل مصورة استعطافية استقطابية وقحة فيها الشعب الإيراني، تدعوه للخروج إلى الشوارع والإطاحة بالنظام، مستغلين لحظة الهجوم. ففي خطاب كشف عن جهل استخباراتي أمريكي فاضح بتركيبة المجتمع الإيراني وخلال تسجيل استمر 8 دقائق، دعا ترامب القوميات الإيرانية من فرس وأكراد وآذريين وبلوش وحتى “الأخفاخ” (الذين لا وجود لهم في إيران بل في داغستان) إلى التمرد..

بدلاً من الاستجابة لدعوات المعتدين، تلاحم الشعب الإيراني مع قيادته بشكل غير مسبوق. المشاهد القادمة من طهران والمدن الكبرى أظهرت مظاهرات غاضبة تندد بالعدوان وتطالب بالانتقام لشهداء المجازر التي ارتكبها العدو، والتي شملت قصف مدرسة في ميناب استشهدت فيها 148 طالبة. إن دماء المدنيين والقادة لم تفتت الجبهة الداخلية، بل صهرت كافة المكونات في بوتقة “المقاومة الوطنية”، مما جعل رهان ترامب على “الثورة الداخلية” يتبخر في الساعات الأولى.

إعصار الرد الإيراني واختراق جدران الردع

لم تكتفِ إيران بوضع الدفاع، بل أطلق الحرس الثوري عملية “الوعد الصادق 4” التي صُممت لتكون رداً شاملاً يطال كافة مراكز القوة الأمريكية والصهيونية في المنطقة. ووفقاً للبيانات العسكرية، استهدفت إيران 60 هدفاً استراتيجياً و500 موقع عسكري للعدو خلال أول 48 ساعة فقط، وهو حجم نيران يفوق ما استُخدم في حروب سابقة كاملة.

وفي تحديد منها لجغرافيا النار في القواعد الأمريكية في مرمى الاستهداف، أكدت القيادة الإيرانية أن أي منطقة تنطلق منها أعمال عدائية ضدها تُعد هدفاً مشروعاً، وقد ترجمت هذا عبر دك القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الخليج. بدءاً بالكويت، التي تعرض فيها معسكر “عريفجان”، المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية، لقصف بـ 12 طائرة مسيرة. كما تم إخراج قاعدة “علي السالم” الجوية عن الخدمة تماماً بعد استهدافها بصواريخ باليستية دقيقة، مما أدى إلى تدمير مدارجها رغم محاولات الاعتراض. تليها الإمارات، والتي استُهدف فيها مركز القيادة والسيطرة العسكري الأمريكي في قاعدة “المنهاد” بـ 6 طائرات مسيرة و5 صواريخ باليستية، بالإضافة إلى تصاعد أعمدة الدخان من قاعدة “الظفرة” في أبو ظبي التي تضم مسيرات “إم كيو-9 ريبر”. أما في البحرين، فقد نالت قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي نصيباً وافراً من الاستهداف، حيث دمرت الطائرات المسيرة الإيرانية المنشآت المتبقية للأسطول، مؤكدة هشاشة الوجود البحري الأمريكي أمام التكنولوجيا المسيرة. وفي قطر، دوت انفجارات عنيفة قرب قاعدة “العديد”، الأكبر في المنطقة، حيث تم رصد سقوط صواريخ إيرانية أصابت أهدافها بدقة.

وفي زلزال هز قلب الكيان الصهيوني، توزعت الرشقات الصاروخية الإيرانية على كامل الجغرافيا الفلسطينية المحتلة، من حيفا شمالاً حتى بئر السبع جنوباً، مما أدى إلى شلل تام في الكيان. شملت الأهداف النوعية: مجمع الصناعات الدفاعية والاتصالية في بئر السبع وتل أبيب. مقر القيادة العامة لجيش الاحتلال (هكريا): الذي تعرض لإصابات مباشرة. قاعدة تل نوف الجوية التي تُعد ركيزة أساسية لسلاح الجو الصهيوني. وفي المستوطنات، سقوط صواريخ في “بيت شيمش” والقدس الغربية أدى لمقتل مستوطنين وتدمير مبانٍ بالكامل، وسط هرع فرق الإسعاف وحالة من الرعب الجماعي.

خنق الشرايين الاقتصادية للغرب

وفي إطار الرد الاستراتيجي، فعلت إيران “خيار المضيق”، حيث أعلن الحرس الثوري أن منطقة مضيق هرمز محظورة وغير آمنة لعبور السفن المرتبطة بالأعداء وحلفائهم، حيث شهدت الساعات الأولى من التصعيد استهداف ناقلة الوقود “أثينا نوفا” (Athena Nova) التابعة لحلفاء واشنطن بمسيرتين أثناء محاولتها العبور “بشكل غير قانوني”، مما أدى لاندلاع حريق هائل فيها. كما تم استهداف وإغراق ناقلة النفط “Sky Light» وسفن أخرى حاولت كسر الحظر الإيراني.

هذا التطور أدى إلى تجمع أكثر من 150 ناقلة نفط وغاز خارج المضيق، وتوقف الملاحة بشكل فعلي، مما تسبب في “ذعر” بأسواق الطاقة العالمية. قفزت أسعار النفط فوراً لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، مع توقعات بوصولها لـ 150 دولاراً إذا استمر الإغلاق. كما سجلت أسعار الغاز في أوروبا زيادة بنسبة 50% بعد تعليق قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال عقب هجمات طالت مرافقها في “رأس لفان” و”مسيعيد”.

وفي السياق، كشفت العمليات الأخيرة عن الدور الحيوي لقاعدة “كردستان” العائمة، وهي منصة بحرية استراتيجية انضمت للخدمة في نوفمبر 2025. هذه القاعدة، التي تم تحويلها من سفينة تجارية بوزن 45,500 طن، تمثل مركز قيادة وإسناد متنقل قادراً على البقاء في المحيطات لمدة 90 يوماً.

القدرات القتالية لقاعدة “كردستان” تتمثل في منصات صاروخية: تحمل 8 صواريخ كروز “قادر” و”قدير” بمدى يصل لـ 300 كم.، ومنظومة دفاع جوي مجهزة بصواريخ “نواب” ذات الإطلاق العمودي للتصدي للمسيرات وصواريخ كروز، وطيران مسير قادرة على إطلاق طائرات “كيان” الانتحارية بمدى 2000 كم، مما يوسع نطاق الرد الإيراني ليشمل قواعد ومصالح العدو في أعماق البحار. بالإضافة إلى دعم لوجستي يضم مستشفى بحرياً ومركز تحكم، وتوفر الوقود والذخيرة لمجموعات السفن الحربية، مما يمنح البحرية الإيرانية استقلالية عملياتية بعيداً عن السواحل.

رهانات ترامب ارتدادات في الداخل الأمريكي

لقد وصف وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، العملية بأنها لن تكون “حرباً بلا نهاية”، معرباً عن أمله في أن يستفيد الشعب الإيراني من “الفرصة”. إلا أن الوقائع الميدانية أثبتت أن ترامب قد أدخل الولايات المتحدة في ورطة استراتيجية لا مخرج منها.

وتتوجس الأوساط السياسية في واشنطن من تداعيات هذه المغامرة العبثية التي تفتقر لأهداف واضحة وتخالف الدستور. أشار النائب جيم هايمز إلى أن الهجمات نُفذت دون تفويض من الكونغرس، محذراً من أن الحروب في الشرق الأوسط “لا تنتهي أبداً بشكل جيد للرؤساء أو للدولة”. كما أن الفشل الاستخباراتي في تقدير قوة الرد الإيراني، واستهداف القواعد الأمريكية التي كانت تُعتبر حصينة، قد هز “هيبة” السلاح الأمريكي.

إن استهداف حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” بأربعة صواريخ باليستية، ورغم نفي “سنتكوم” لإصابتها المباشرة، إلا أن مجرد استهدافها ودفعها للابتعاد عن السواحل الإيرانية يمثل نصراً معنوياً وعسكرياً لمحور المقاومة، ويعيد للأذهان مشهد “بيرل هاربر” حيث فقدت البحرية الأمريكية قدرتها على الردع.

الحصن الذي تحطمت عليه الأوهام

إجمالاً اثبتت وقائع العدوان الأمريكي الصهيوني عام 2026، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن كافة رهانات الرئيس ترامب قد باءت بفشل ذريع. فلم ينهار النظام الإيراني باستشهاد قادته، ولم ينتفض الشارع الإيراني ضد قيادته، ولم تنجح ما اسموها بالضربة الاستباقية في شل القدرات الصاروخية والجوية الإيرانية.

وبدلاً من ذلك، أدت هذه المغامرة إلى تعميق الوحدة الوطنية الإيرانية، حيث تحول التهديد الخارجي إلى عامل تماسك صهر كافة الأطياف في مواجهة المشروع الصهيوني، وكشف هشاشة الوجود العسكري الأمريكي عبر تحويل القواعد التي كلفت المليارات إلى أهداف سهلة للصواريخ والمسيرات الإيرانية، بل وتثبيت معادلة الردع البحري من خلال السيطرة على مضيق هرمز واستهداف السفن المرتبطة بالعدوان أثبت أن إيران تمتلك “مفاتيح” الاقتصاد العالمي. الأمر الذي أدى إلى تآكل الهيمنة السياسية لواشنطن: الانقسام الداخلي الأمريكي وتصاعد الأصوات القانونية المنددة بالحرب أضعف موقف ترامب دولياً وداخلياً.

في المقابل، أثبتت الجمهورية الإسلامية في إيران بامتلاكها لقدرات نوعية لم تكشف عنها بالكامل بعد، وبشعبها الذي يواجه العدوان بإيمان وعزيمة، أنها القوة المركزية القادرة على هزيمة المشاريع الاستعمارية. ومع استمرار عملية “الوعد الصادق 4”، يتضح أن الأيام القادمة ستحمل مزيداً من الاندحار للقوات المعتدية، لتكتب صفحة جديدة في تاريخ المنطقة عنوانها: المقاومة هي السبيل الوحيد لانتزاع السيادة ودحر الطغيان.

وأكد الرئيس مسعود بزشكيان أن إيران ستواجه مخططات الأعداء عبر “تعزيز الوحدة الداخلية والرد الحاسم”، مشدداً على أن القوات المسلحة ستدفع الأعداء نحو اليأس بتدمير قواعدهم. ومن جانبه، أوضح علي لاريجاني أن ترامب حوّل شعار “أمريكا أولاً” إلى “إسرائيل أولاً”، مؤكداً استعداد طهران لخوض حرب طويلة الأمد دفاعاً عن سيادتها. هذا التناغم بين الخطاب السياسي والعمل العسكري الميداني شكل سداً منيعاً أمام محاولات الاختراق الناعم التي راهن عليها البيت الأبيض.

بل وأثبت الشعب الإيراني، بعمقه الحضاري وإيمانه الراسخ، أنه عصي على الخنوع. التحريض الترامبي الصهيوني لتغيير النظام لم يؤدِ إلا لتعزيز الوحدة الداخلية. أدرك الإيرانيون أن الهدف ليس “الحرية والديمقراطية” كما يدعي ترامب، بل تدمير مقدراتهم واستعباد بلدهم لخدمة طموحات تل أبيب.

قد يعجبك ايضا