قراءة استراتيجية في المواجهة الإقليمية الكبرى

طهران تعيد رسم العالم... نهاية الهيمنة وتوازن الإرادات

تقرير/زينب عبدالوهاب الشهاري

في المشهد الجيوسياسي المعقد لمنطقة الشرق الأوسط، لم تعد القوة تقاس بحجم الترسانات العسكرية، بل بالقدرة على إدارتها وتوظيفها لتحقيق التأثير الاستراتيجي. وما نشهده اليوم، في خضم العدوان الأمريكي-الإسرائيلي المفتوح على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ليس مجرد جولة من جولات التصعيد، بل هو نقطة تحول تاريخية تعيد رسم موازين القوى العالمية؛ حيث تقف «فائض القوة» المادية في مواجهة «فائض الإرادة» الصلبة. وهو مسار لم يبدأ اليوم، بل هو امتداد تاريخي لمحاولات الإخضاع منذ ثورة 1979م، بدءاً من مؤامرات السفير الأمريكي ويليام سوليفان وحملات الاغتيال المبكرة كمحمد بهشتي، وصولاً إلى اتفاق 2015م. واليوم تتخطى طهران إطار حماية النظام لتنخرط في تحالفات استراتيجية كـ «شنغهاي» و»بريكس»، راسمًة ملامح نظام دولي متعدد الأقطاب.

وهم قطع الرأس وصلابة الجبهة الداخلية

بنت الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية رهاناتها على إحداث صدمة مروعة في بنية النظام الإيراني من خلال عملية اغتيال المرشد الأعلى، آية الله السيد علي خامنئي، وقادة عسكريين بارزين. كان الهدف يتجاوز التصفية الجسدية إلى استهداف «الروح المعنوية» وخلق فراغ في القيادة يتزامن مع تحريك فوضى داخلية مصطنعة، مصحوباً بضربات استهدفت المدنيين كمدرسة ميناب التي ارتقت فيها 120 طفلة ومستشفى غاندي بطهران.

لكن القراءة الغربية أخطأت فهم طبيعة العقل الاستراتيجي الإيراني، وتجاهلت عمق العقيدة «الحسينية» التي ترى في الشهادة ذروة التكامل وليست نهاية المطاف. وقد تجلى الفشل الاستخباري والسياسي للعدو في مسارين رئيسيين:

* الانتقال الدستوري السلس: تفعيل المادة 111 من الدستور وتشكيل مجلس قيادة مؤقت (يضم الرئيس بزشكيان، والشيخ محسني إجئي، وآية الله أعرافي)، مما أثبت مرونة مؤسسات الدولة وقدرتها على منع أي ارتباك في صنع القرار، وتحويل القيادة من نمط مركزي قد يتأثر بالغياب المفاجئ، إلى منظومة مؤسسية متماسكة.

* الاستفتاء الشعبي الميداني: خروج عشرات الملايين إلى الشوارع في طهران والمدن الكبرى لم يكن مجرد مسيرات تشييع، بل كان بمثابة جدار صد شعبي أسقط الرهانات الأمريكية وحملات «الغزو الناعم» التي أنفقت فيها مليارات الدولارات على فضاء الإنترنت وجيل «زد». لقد توحد الداخل الإيراني في مواجهة التهديد الخارجي، عازلاً بذلك أصوات المعارضة المرتبطة بالخارج التي ارتكبت خطيئة رفع أعلام العدو في لحظة مصاب وطني.

عملية «الوعد الصادق 4».. هندسة الردع المتقدم

لقد تخطت الجمهورية الإسلامية عقدة «القوة النسبية» مقارنة بالتفوق الأمريكي الكاسح، من خلال ابتداع آليات تعطل هذا التفوق. لم تكن هذه العملية منفصلة عن سياق متراكم من هندسة الردع؛ فمن «الوعد الصادق 1» (أبريل 2024م) رداً على استهداف قنصلية دمشق، مروراً بـ «الوعد 2» (أكتوبر 2024م) بـ250 صاروخاً (بينها فتاح-1) انتقاماً لهنية ونصر الله ألحق دماراً بـ 100 منزل في هود هشارون، ثم «الوعد 3» (حزيران 2025م) رداً على اغتيال اللواء حسين سلامي وعلماء نوويين خلال حرب الـ 12 يوماً. وصولاً إلى عملية «الوعد الصادق 4» التي شكلت انتقالاً نوعياً من سياسة «الاستيعاب والرد» إلى فرض «المبادرة والتحكم».

تميزت هذه العملية الاستراتيجية بخصائص عسكرية فريدة:

* الكثافة والتزامن وإعماء الخصم: تنفيذ أكثر من 13 موجة هجومية في وقت قياسي (شملت الموجة 12 وحدها 26 طائرة مسيَّرة و5 صواريخ باليستية)، مسبوقة بضربة استراتيجية أعمَت رادارات الإنذار المبكر التي تغطي أفغانستان والمحيط الهندي وإريتريا والصومال.

* بنك أهداف عابر للحدود: لم يقتصر الرد على عمق الكيان الصهيوني (تل أبيب، يافا، قواعد نيفاتيم وتل نوف)، بل اتسع ليشمل القوات الأمريكية ضمن مدى 2000 كلم في الخليج (قاعدة عريفجان وعلي السالم في الكويت، ومقر الأسطول الخامس في البحرين، وقواعد في الإمارات)، وصولاً إلى القواعد البريطانية في قبرص. هذا الاتساع أجبر «الترويكا الأوروبية» (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) على الانخراط، وأربك قيادة الكيان لدرجة انقطاع الاتصال بنتنياهو لساعات.

* تهاوي فجوة الميزانيات: أثبتت العملية إخفاق التفوق المالي، فميزانية التسليح الأمريكية (901 مليار دولار) والإسرائيلية (48 ملياراً) وقفت عاجزة أمام ميزانية إيرانية لا تتجاوز 23 ملياراً.

* الشفافية الهجومية كأسلاح نفسي: إعلان الحرس الثوري عن الموجات (كالموجة 13) وأهدافها ونوع السلاح المستخدم أثناء التنفيذ، وهو تحدٍ سافر يثبت عجز منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية عن الاعتراض، ويدفع بقطع بحرية كبرى مثل حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» للانسحاب نحو المحيط الهندي.

وحدة الساحات.. من الشعار إلى الكماشة الاستراتيجية

إن محاولة واشنطن عزل طهران والاستفراد بها تحطمت على صخرة «وحدة الساحات»، التي تحولت من مفهوم سياسي إلى هيكل عملياتي متكامل.

* جبهة العراق: نفذت فصائل المقاومة 67 عملية هجومية خلال 72 ساعة فقط، بتصاعد تكتيكي (16 عملية في اليوم الأول، 23 في الثاني، و28 في الثالث)، استهدفت قواعد أمريكية حيوية (محيط أربيل، قاعدة فكتوريا)، مما يرفع كلفة الوجود العسكري الأمريكي ويحرمه من حرية المناورة.

* جبهتا لبنان واليمن: تصاعد العمليات في الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، والجاهزية العالية للقوات المسلحة اليمنية لضرب الأهداف البحرية والقواعد المعادية، مما يضع التحالف الأمريكي-الصهيوني تحت نيران كماشة إقليمية لا تملك واشنطن ترف إخمادها في وقت متزامن.

مضيق هرمز ومقصلة الاقتصاد العالمي

الورقة الأقوى في معادلة الردع الإيرانية تتجلى في الجغرافيا السياسية. مع إغلاق المجال الجوي في المنطقة واضطراب حركة المطارات، وجهت طهران ضربتها الأقسى للاقتصاد العالمي عبر التحكم في مضيق هرمز.

* حرب الناقلات المتجددة: استهداف ناقلات النفط المرتبطة بالدول المعادية (مثل «سكاي لايت»، «هيركيلوس ستار»، «إم كيه دي فيوم»، و»أثينا نوفا») أدى إلى تكدس أكثر من 200 ناقلة في الخليج، وشل حركة عبور 20% من إمدادات النفط العالمية.

* الارتدادات العالمية: قفزة فورية في أسعار النفط بنسبة 13% وتجاوز حاجز 82 دولاراً للبرميل (مما ينذر بزيادة التضخم 0.1 نقطة أساس لكل 10% زيادة)، وارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تفوق 50% مع توقف إنتاج الغاز المسال القطري (14 خطاً بطاقة 77 مليون طن)، وسط توقعات بارتفاع الذهب 500 دولار للأونصة. كما شلت حركة الملاحة الجوية (بينها إلغاء 450 رحلة في مطارات ألمانيا). هذه المؤشرات والخسائر المليارية اليومية تضع الاقتصاد الأمريكي أمام شبح تضخم كارثي، مما يفسر تخبط ترامب وهرولة الإدارة الأمريكية للبحث عن مخرج تفاوضي لإنهاء الحرب.

خلاصة: ولادة نظام إقليمي جديد

إن النتيجة الحتمية لهذه المواجهة لا تقاس بمن يمتلك قدرة تدميرية أكبر، بل بمن يستطيع الصمود وتجاوز «عتبات الألم». لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية، بإدارتها الباردة والحازمة للأزمة، أن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة قد ولى. وأن الاستراتيجية القائمة على حياكة تحالفات دولية، وتوظيف الجغرافيا الاستراتيجية، ومراكمة الردع الصاروخي، قد أثمرت جداراً صلباً تتحطم عليه مشاريع التغيير من الداخل والعدوان من الخارج.

إنها اللحظة التي يكتب فيها التاريخ أن فائض الإرادة، حين يقترن بالعقل الاستراتيجي، قادرٌ على هدم أسطورة التفوق العسكري، واضعاً اللبنة الأولى لتعددية قطبية حقيقية تبدأ من الشرق الأوسط.

قد يعجبك ايضا