رمضان في صنعاء القديمة له طعم مختلف؛ تشعر بروحانية الشهر الكريم، وله إحساس يختلف عن أي مكان آخر.
ما إن تطأ قدماك شوارع وأزقة صنعاء القديمة حتى تبدأ تشعر وكأنك تعيش في زمن غير الزمن. تشاهد الباعة المتجولين وأصحاب المحلات التجارية وهم يحملون وجوهًا بشوشة، لا تفارق الابتسامة محياهم. وأنت تمشي باتجاه الجامع الكبير تتسارع خطاك نحوه، والذي ما إن تدخله حتى تشعر بالروحانية والوقار. تجد كبار السن وهم عاكفون فوق مصاحفهم، يتلون القرآن كأنهم نحل يدوي، عيونهم دامعة، وأيديهم تتنقل بين الصفحات بخشوع. قلوبهم مليئة إيمانًا وحنينًا، ووجوههم تحكي سنين طويلة من التعب والصبر… لكن ما زال فيهم نور رمضان.
هنا تراجع نفسك، وتتساءل: ما سر هذه الروحانية التي تشعر بها؟ وهكذا الحال في بقية مساجد وجوامع صنعاء القديمة.
وعندما تتجول في شوارع وأزقة صنعاء تجد الصفاء والنقاء والإخاء بين ساكنيها، وتلمس البساطة والتواضع عند أهلها، وخاصة سكانها الأصليين؛ فالرحمة والتسامح والمحبة هي سماتهم. وفي نهار رمضان يزدحم الناس أمام محل العم أحمد الجرباني لبيع شراب الزبيب والشعير، والذي لن تجد له مثيلًا في أي مكان آخر. كما تنتشر محلات أخرى تبيع الحلويات مثل الرواني والبسبوسة والقطائف وقديد الجزر وغيرها، وهي أصناف تشتهر صنعاء القديمة بتجهيزها.
وليس هذا فحسب، بل إن موائد الإفطار في صنعاء القديمة تختلف عن أي مكان آخر؛ فما إن تبدأ مكبرات الصوت تصدح بأصوات المقرئ محمد حسين عامر، والقريطي، ومحبوب، حتى يستعد الصائمون بإخراج الفطور من تمر وسمبوسة وسلتة وشفوت، والليم والقهوة، والخبز، وخاصة المصنوع من الحبوب البلدية. تجد الجميع يلتفون حول موائد الإفطار وكأنهم أسرة واحدة. هنا تتجلى صورة الإخاء التي كان ولا يزال يعيشها أبناء صنعاء القديمة.
رمضان في صنعاء القديمة ليس مجرد صيام… بل هو حنين ووجع وطيبة ناس، وهو بساطة يعيشونها رغم صعوبات الحياة، وهو نور يضيء القلوب قبل البيوت.
ومع كل هذه المشاهد، يعود بنا الحنين إلى الماضي؛ إلى أيام كانت فيها الأزقة أكثر صفاءً، والقلوب أكثر قربًا، والمساجد عامرة بالمصلين، والبيوت مفتوحة لبعضها البعض. صنعاء القديمة ليست مجرد مبانٍ طينية شاهقة، ولا نوافذ مزخرفة بالقمريات، بل هي ذاكرة وطن، وروح شعب، وتاريخ أمة.
ومن هنا، فإن المحافظة على صنعاء القديمة مسؤولية الجميع؛ مسؤولية في الاهتمام بمساجدها، وصيانة شوارعها، والحفاظ على نظافتها، وحماية هويتها المعمارية والإنسانية. فهي ليست حيًّا عاديًا، بل صورة مصغّرة لليمن الكبير؛ بكل ما فيه من أصالة وعراقة وبساطة وكرم.
إذا حافظنا على صنعاء القديمة، فإننا نحافظ على جزء أصيل من هويتنا،وتاريخنا.
وإن اعتنينا بها كما ينبغي، ستظل تهمس لنا في كل رمضان: هنا اليمن… وهنا الخير الذي لا يموت.
