الثورة / افتكار القاضي
بعد أن كان موسما للاحتفاء والبهجة، والكرم، ولم الشمل، تحول شهر رمضان في غزة للعام الثالث تواليا، إلى اختبار يومي عسير، لقدرة العائلات على تدبير الحد الأدنى من الطعام، ورحلة كفاح، كل يوم، في ظل واقع إنساني واقتصادي هو الأشد قسوة في التاريخ الحديث .
في أحياء النزوح الممتدة على طول القطاع، تتبدل صورة الإفطار، خيام متلاصقة تحلّ محل المنازل، وموائد بلاستيكية بسيطة مكان السفر العامرة، وأحاديث لا تدور حول تنويع الأطباق بقدر ما تنشغل بسؤال واحد: كيف يمكن تأمين وجبة تكفي حتى اليوم التالي؟
رحلة كفاح يومية
فالسفرة التي ارتبطت تقليدياً بمعاني الكرم ولمّ الشمل، أصبحت اليوم مرآة دقيقة لحجم التحوّل الذي أصاب تفاصيل الحياة، من شكل البيوت إلى مضمون المائدة.
يقول أحمد أبو جربوع النازح من رفح إلى دير البلح، إن سفرة رمضان لم تعد مساحة للفرح، بل “رحلة كفاح يومية”.
يستيقظ احمد كل صباح مهموما وهو يفكر ويسال نفسه بحسرة: ماذا سسنفطر عند المغرب. لم يعد الحديث عن أصناف وأطباق، بل عن وجبة تُبقي الأطفال صامدين حتى السحور”.
في غرب مدينة غزة، تعيش سهام مقداد مع أسرتها في خيمة قرب الميناء. زوجها مصاب ولا يستطيع العمل، والأسرة بلا مصدر دخل.
تقول إن التكية أصبحت ركيزة أساسية في تأمين الإفطار.، “نقف لساعات في طوابير الانتظار. أحياناً نحصل على وجبة، وأحياناً نعود بخيمة فارغة إلا من القلق”.
تتحدث مقداد / وفق مركز الأعلام الفلسطيني، عن ضغط نفسي يفوق الجوع ذاته. “الأطفال يسألون عن أطعمة اعتادوا عليها في رمضان. أحاول أن أشرح لهم أن الظروف تغيّرت، لكن من الصعب أن تشرح لطفل معنى العجز”.
وتقارن بين ما قبل الحرب واليوم قائلة إن تكلفة سفرة بسيطة تضاعفت مرات عدة، في وقت انعدم فيه أي دخل ثابت، ما جعل التفكير بشراء مستلزمات الإفطار أمراً شبه مستحيل.
جيوب فارغة واقتصاد منهك
ورغم أن بعض الأسواق ما زالت تفتح أبوابها، إلا أن القدرة الشرائية تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة.
محمد هنية الذي فقد عمله في محل لبيع المرطبات بعد تدميره، يقول إن زيارة السوق باتت أقرب إلى جولة عابرة بلا هدف شرائي.
“نسأل عن الأسعار ثم نعود. أحياناً يكون الخبز هو الخيار الوحيد المتاح”.
ويضيف أن الشعور بالعجز يتضاعف حين يسأله أطفاله عن أطعمة كانوا يعتبرونها جزءاً بديهياً من رمضان. “كنا نخطط للشهر ونوفر احتياجاته. اليوم ننتظر ما قد يصل من مساعدات”.
ولا يقتصر التحوّل على الجانب المعيشي الفردي، بل يعكس انهياراً أوسع في البنية الاقتصادية للقطاع.
آلاف المنشآت الصغيرة دُمّرت، ومصادر الدخل توقفت، فيما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بفعل شح المعروض وصعوبة إدخال البضائع.
فقد لا يعوض
وباتت غالبية الأسر تعتمد كلياً أو جزئياً على المساعدات الإنسانية، في مشهد يضع الكرامة الفردية في مواجهة الحاجة اليومية.
لم تعد سفرة رمضان مجرد طقس اجتماعي، بل مؤشراً حياً على مستوى الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وعلى حجم الفجوة بين الذاكرة والواقع.
في كثير من البيوت، هناك أيضاً غياب لا يُعوّض. شهداء ومعتقلون ومفقودون، تركوا مقاعد فارغة حول المائدة.
تحاول العائلات الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر الشهر، لكن الصمت الذي يسبق الأذان أحياناً يكون أثقل من الجوع.
ومع ذلك، يصرّ كثيرون على إبقاء شيء من روح رمضان. قطعة زينة صغيرة على باب خيمة، شمعة تُضاء عند الإفطار، أو طبق يُرتّب بعناية رغم بساطته. يقول أبو جربوع: “قد لا نملك ما كنا نملكه، لكننا نحاول أن نحافظ على معنى الاجتماع”.ولو حول مائدة متواضعة، يبقى شكلاً من أشكال التمسك بالحياة في وجه واقع اليم ومثقل بالجراحات .
