بركان الوديعة.. حين تفحّمت ملاحق الخيانة تحت أقدام السيادة

محمد عبدالله الخربي

 

زئير الحق في زمن الارتعاش
لم يكن دويّ الانفجارات الأخيرة في معسكرات الوصاية مجرد حدثٍ عسكريٍ عابر في مفكرة الحرب، بل كان إعلاناً سماوياً جلياً قرأته جبال الوديعة ومارب وحضرموت بلغة النار والبارود، وتجسيداً للوعد الإلهي: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}. في اللحظة التي ظن فيها آل سعود وصنائعهم من أدوات الميدان أنهم يعيدون هندسة جغرافيا اليمن بـ»تحالفات ميتة» وتشكيلات مستحدثة، جاء الرد اليماني الاستباقي كصاعقةٍ طهرت الأرض وكسرت الغرور. إنه الزمن الذي لا تُكتب فيه السيادة اليمانية بمداد الحبر، بل بنصال الصواريخ وبأس المسيرات التي أثبتت مجدداً أن صنعاء هي المركز والمبتدأ، وأن عروش الطغاة أوهن من بيت العنكبوت أمام يقظة عيون لا تنام، ليتكامل هذا البأس مع أصداء البنادق التي صدحت بها الزوامل: «يا قاصد الميدان كبّر والتقي.. بأس اليماني لي بحد الـمُرْهَفات».
المحور الأول: فاتورة الردع.. خسائر العدو الجسيمة وغرف العمليات المتفحمة
وفقاً للإعلانات والبيانات المختلفة الصادرة أمس فقد أسفرت هذه العملية الاستباقية النوعية عن سحق تحصينات العدو وإيقاع خسائر استراتيجية وبشرية غير مسبوقة في صفوفه. لقد طالت الضربات المسددة بالدفاع الجوي والسلاح الصاروخي غرف العمليات المشتركة التي كانت تُدار منها المؤامرات، مما أدى إلى تدميرها بالكامل بما تحويه من أجهزة رصد واتصالات متطورة. وأكدت الإعلانات مصرع وإصابة عدد من الضباط السعوديين الذين كانوا يشرفون على توجيه التشكيلات الميدانية، إلى جانب سقوط العشرات من القيادات والأفراد التابعين للفصائل المحلية الموالية للتحالف، وتحول آلياتهم ومخازن تسليحهم المباشر إلى رماد تحت ضربات الحق المزلزلة.
المحور الثاني: عيون الاستخبارات.. الاختراق الاستراتيجي وخرق حجب الوصاية
إن النجاح الدقيق في تصفية غرف العمليات واستهداف قادة العدوان في عقر معسكراتهم لم يكن ضربة حظ، بل هو تجسيد حي لتفوق استخباراتي كاسح يمتلك زمام المبادرة تترجمه الآية الكريمة: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ}. لقد أثبتت هذه العملية الاستباقية أن أعين الأمن اليمني ومصادره باتت تخترق أشد الحصون تحصيناً، وتقرأ دفاتر المؤامرات السعودية قبل أن تجف أحبارها. لم تعد الرياض قادرة على الاختباء خلف وكلائها؛ فالصوت اليماني وصل إلى غرف قيادتهم مباشرة، ليعلموا أن تجميع الأدوات تحت مسميات «دفاعية» أو «إقليمية» جديدة هو مجرد مراكمة لرماد ستذروه رياح البأس اليماني في أول منازلة، مصداقاً لعهد الأحرار: «العهد منا ما نلين أو نستكين.. واستهدافنا بالحق يحرق كل عين».
المحور الثالث: سحق المؤامرة الكونية.. رسالة الصخر لـ «تحالف الـ 14 الدولي»
يأتي ما يُسمى بـ»تحالف الـ 14» ليمثل الحلقة الأحدث في سلسلة المشاريع الاستعمارية الدولية التي تُدار من غرف الاستخبارات الغربية والإقليمية، وتولد عاجزة ومشوهة، يصدق عليها قوله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}. إن هذا التحالف الدولي ليس شأناً داخلياً أو صراعاً محلياً، بل هو غطاء دولي مفضوح يهدف إلى عولمة العدوان على اليمن، ومحاولة بائسة لشرعنة نهب الثروات النفطية والغازية في المحافظات الشرقية والجنوبية، وحماية خطوط الملاحة لخدمة مصالح القوى الكبرى. إلا أن الرسالة العسكرية الأخيرة جاءت حاسمة لتؤكد للاستكبار العالمي وأدواته الإقليمية: لا مكان لأي تدويل، ولا بقاء لأي قوى أجنبية تسعى لتمزيق النسيج الوطني أو مصادرة القرار اليماني. لقد تهاوت خطط التحالف الدولي تحت ضربات الردع الاستراتيجي، وتبخرت أوهام السيطرة على جغرافيا اليمن وثرواته السيادية، مؤكدة بالقول والعمل: «نفط اليمن ومياهه ملك للشعب، وخط أحمر دونه الرؤوس تسقط ولا تسقط السيادة».
المحور الرابع: رسالة المقاومة لآل سعود..
فشلتم وستفشلون والخناق يضيق
من وسط دخان المعركة، تتجه رسالة صنعاء مباشرة إلى قصر اليمامة في الرياض بجمل واضحة وقاطعة: لقد فشلتم في الماضي، وستفشلون في الحاضر والمستقبل، وكل رهاناتكم على كسب الوقت أو تغيير المعادلات ميدانياً هي رهانات خاسرة وفاسدة. إن المماطلة في تنفيذ المطالب اليمنية المشروعة—وعلى رأسها إنهاء الحصار الشامل، وصرف مرتبات كافة موظفي الدولة من عائدات النفط اليمني، وخروج القوات الأجنبية—ليست في صالحكم أبدًا. إن سياسة المواربة ومحاولة الالتفاف على التفاهمات لن تجلب لكم الأمن؛ وكلما تأخرتم في الانصياع للحق والاعتراف بحقوق هذا الشعب، زاد الخناق ضيقاً على رقابكم، واتسعت دائرة النار لتطال عمقكم الاقتصادي والاستراتيجي بما لا تطوقه أنظمتكم الدفاعية.
المحور الخامس: نداء الوطن.. طوق النجاة للمغرر بهم
بين ثنايا اللهب والبارود، تجلى الكبرياء اليماني في أبهى صوره الإنسانية والوطنية؛ حيث لم تكن هذه الضربات لمجرد الانتقام، بل كانت تقرع جرس الإنذار الأخير للمغرر بهم في صفوف العدوان، التزاماً بالتوجيه الرباني: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. إنها دعوة صادقة بلغة القوة والرحمة معاً: «عودوا إلى حضن الوطن فالخارج لا يحمي أدواته». لقد أثبتت الأحداث أن اللجوء إلى المال السعودي لا يشتري للأدوات إلا الموت والإهانة على يد أسيادهم أو تحت ضربات الحق. إن قرار العفو العام يظل باباً مشرعاً وطوق نجاة قبل أن يغلق التاريخ صفحاته على الخونة، فالعار لا يمحوه إلا التراب الوطني، والسيادة لا تتسع إلا لمن يحمل بندقيته دفاعاً عن الأرض والعِرض، تماشياً مع زامل العودة: «ارجع لصف الوطن والدار مأمن.. والجنبي الكذاب با تذله الأيام».
المحور السادس: السيناريوهات المحتملة.. مآلات المشهد القادم
أمام هذه القفزة العسكرية والاستخباراتية، يضع المشهد اليمني والإقليمي نفسه أمام سيناريوهات مفتوحة ترسم خطوط المرحلة المقبلة:
1. سيناريو الانصياع والتهدئة: أن يدرك النظام السعودي خطورة الموقف ومستوى الضعف الاستراتيجي لأدواته، فيتجه مجبراً نحو تسريع تنفيذ الملف الإنساني والاقتصادي (المرتبات والمطارات والموانئ) لتجنب ضربات أشد إيلاماً في عمقه الحيوي والنفطي.
2. سيناريو التصعيد الشامل: أن تدفع المكابرة والضغوط الدولية الرياض نحو مغامرة جديدة عبر تحريك أدوات الميدان وتكثيف الغارات، وهو ما سيقابل بـ”قيامة يمانية” شاملة تترجم معادلة الردع بضرب المنشآت الحيوية الكبرى في عمق دول العدوان وإغلاق ممرات الطاقة.
3. سيناريو حرب الاستنزاف الموضعية: استمرار المناوشات الميدانية والضربات الاستباقية المركزة من قبل صنعاء لكسر خطوط تجميع العدوان وإفشال مخططاته اللوجستية يوماً بعد يوم، مع إبقاء الباب موارباً أمام الوساطات السياسية حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
الخاتمة:
القيامة اليمانية والمستقبل الصامد
إن الأرض التي أنبتت أولي البأس الشديد لا يمكن أن تقبل بالهوان أو بأنصاف الحلول، مستلهمة قوتها من قوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهَ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}. لقد وضعت هذه العملية النوعية حداً قاطعاً لمناورات المماطلة في الملفات السياسية والاقتصادية؛ فلا رواتب ستُدفع بمنّة من أحد، ولا موانئ ستبقى مغلقة بينما ينعم المعتدون بالأمن. على آل سعود أن يفهموا فصول الدرس جيداً: يمن اليوم ليس كيمّن الأمس، والصواريخ التي دكت معسكرات التآمر قادرة على إحراق آبار النفط وعروش زجاجية اهتزت رعباً من زئير الصمود. ستبقى صنعاء عاصمة القرار، وقبلة الأحرار، وحصن الأمة المنيع الذي تتحطم عليه كل تحالفات البغي والعمالة.
الخلاصة
أطاحت العملية الاستباقية الأخيرة للقوات المسلحة اليمانية بغرف العمليات المشتركة للعدو في الوديعة ومحيطها، مسفرةً عن مصرع ضباط سعوديين وتدمير آليات الفصائل المستحدثة كـ”تحالف الـ 14”. حملت العملية إنذاراً شديد اللهجة للنظام السعودي بأن رهانات كسب الوقت خاسرة وفاسدة، وأن الخناق يضيق على رقاب المماطلين في دفع المرتبات ورفع الحصار. تفتح هذه الضربة الاستخباراتية الكاسحة الباب أمام سيناريوهات تتأرجح بين انصياع الرياض للمطالب المشروعة أو مواجهة تصعيد يماني يحرق منشآت النفط والعمق الاستراتيجي للعدوان، مجددةً في الوقت ذاته نداء العفو العام لأدوات الميدان للعودة إلى حضن الوطن قبل فوات الأوان.

قد يعجبك ايضا